قصة موسى مع العبد الصالح التي توسّع نظر الإنسان في فهم سنن الكون

28 مارس 2026

عبد الله القيسي

إذا أردنا أن نتدبّر قصة العبد الصالح مع موسى، فعلينا أولًا أن نتوقف عند مسألة كونه أعلم بشأن غيبي من موسى. فموسى نبيّ ورسول، وهو كليم الله، وهذه منزلة عظيمة، فكيف يُعلِّمه من هو دونه؟ والحديث هنا عن علم غيبي!
هل نزل الوحي على ذلك العبد؟ وأيُّ وحيٍ نزل عليه؟ وهل كان ما أُوتيه من كشفٍ للغيب أعظمَ مما أُنزِل على موسى من الوحي؟ وهل يُتصوَّر أن يُؤتى أحدٌ من العباد علمًا بالغيب أكثر مما أُوتيه الأنبياء والرسل؟
هذه الإشكالية تدعونا للتأمل. فإن قلنا إن هذا العبد نبيّ أيضًا، فإن ذلك لا يحل الإشكال تمامًا، لأن موسى نبيّ ورسول، ولا يُتصوَّر أن يكون المعلِّم أقل رتبة منه. كما أنه لا يمكن القول إنه رسول، إذ لا تُعرف له رسالة.
ومن هنا فإن الأكثر اتساقًا هو القول –وهو قول قيل قديمًا– بأن يكون هذا العبد مَلَكًا أرسله الله في صورة بشر، كما أرسل إلى مريم عليها السلام. ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [سورة مريم: 17].
وعلى هذا التقدير، نكون أمام نوعين من الأفعال:
أفعال تصدر عن الملائكة، وأفعال تصدر عن البشر، بمن فيهم الأنبياء.
ونحن مكلَّفون بالاقتداء بأفعال الأنبياء، لا بأفعال الملائكة، لأن الملائكة لا يفعلون إلا ما يُؤمرون به، وينفذون أمر الله تنفيذًا محضًا، بخلاف البشر الذين يتعاملون ضمن السنن الظاهرة.
فإذا كان هذا المَلَك قد خرق السفينة أو قتل الغلام، فإن ذلك يكون تنفيذًا لأمر إلهي مباشر، لا يُسأل عنه من جهة الحكمة التفصيلية، لأنه ضمن السنن والقوانين الخفية، ولأن الملائكة إنما تعمل بعلم يقيني مُعطى من الله. أما الأنبياء، فرغم أنهم يُوحى إليهم، إلا أنهم يتعاملون مع الواقع وفق السنن الظاهرة، وكذلك الناس مأمورون بالحكم على الظاهر.
ولهذا فإننا في أحداث القصة نقتدي بموسى عليه السلام، فلو رأينا من يخرق سفينة لقلنا: أخطأت، ولو رأينا من يقتل غلامًا لقلنا: أخطأت، ولو رأينا من يقيم جدارًا بلا أجر لتساءلنا: لماذا؟ لأننا لا نعلم إلا الظاهر، ولا نُكلَّف بغيره.
ومن هنا يمكن فهم القصة على أنها تبيّن وجود مستويين:
مستوى السنن الظاهرة التي نتعامل معها، ومستوى خفي تجري فيه مقادير الله وحِكَمه التي لا ندركها.
وقد يُقال: ما فائدة ذكر هذه القصة؟
فالجواب: أن الإنسان يرى في حياته صورًا من الشر فيستغربها، فجاءت هذه القصة لتكشف أن بعض ما نراه شرًا قد يكون وراءه حكمة خفية لا ندركها.
كما نتعلم منها أن الدعاء قد يؤثر في هذا المستوى الخفي، فينعكس أثره على الواقع الظاهر دون أن نشعر بتغيّر القوانين التي نعرفها، إذ التغيير يقع في الأسباب العليا، ثم يظهر أثره في النتائج.
فهذه القصة توسّع نظر الإنسان في فهم سنن الكون، وتجعله يدرك أن وراء الظواهر حكمًا أعمق قد تغيب عنه.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...