قراءة في تفاعل الرأي العام مع انضمام المغرب إلى مجلس السلام
لطفي الصمدي
تابعت النقاش الذي رافق انضمام المغرب إلى مجلس السلام “الترامبي” كعضو مؤسس، كما عُرض في منصات التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر الخطوة مكسبا استراتيجيا، ومن تعامل معها بكثير من الشك والتحفظ. وفي ما يلي قراءة تحليلية للحدث، في سياقه الدولي والإقليمي، بعيدا عن التهويل أو التبسيط.
انضمام المغرب إلى مجلس السلام لا يمكن قراءته كتحول جذري في عقيدته الدبلوماسية، ولا كرهان على بنية دولية بديلة مكتملة، بل كخطوة براغماتية في سياق دولي يتسم بتراجع القدرة العملية لمنظومة الأمم المتحدة على إدارة النزاعات الكبرى. الإطار الأممي ما زال يمثل المرجعية القانونية الوحيدة المعترف بها دوليا، لكنه يعاني من شلل بنيوي واضح، ناتج عن تضارب مصالح القوى الكبرى وتآكل آليات التنفيذ، ما جعل كثيرا من النزاعات تراوح مكانها دون أفق حسم، لعل ابرزها في السياق المغربي هو مسألة الصحراء الغربية.
مجلس السلام يندرج ضمن محاولات سد هذا الفراغ عبر آلية سياسية مرنة، تقودها الولايات المتحدة، خارج القيود الإجرائية الثقيلة للمؤسسات متعددة الأطراف. المجلس ليس منظمة دولية بالمعنى القانوني، ولا يستند إلى معاهدة تمنحه صلاحيات إلزامية، وهو ما يجعل قيمته مرتبطة بوظيفته السياسية لا بشرعيته القانونية. من هذه الزاوية، لا يشكل هذا المجلس بديلا للأمم المتحدة، بل مسارا موازيا محدود النطاق، مخصصا لإدارة أزمات مختارة وفق منطق المصلحة والقدرة على الفعل.
بالنسبة إلى المغرب، الانضمام كدولة مؤسسة يعكس قراءة واقعية لطبيعة المرحلة الدولية. الرباط تدرك أن الاعتماد الحصري على المسار الأممي في قضايا معقدة، وفي مقدمتها الصحراء الغربية، لم يعد كافيا لضمان تقدم سياسي ملموس. لذلك، لا تتعامل مع المجلس كأداة لإنتاج شرعية قانونية جديدة، بل كفضاء سياسي إضافي يسمح بتوسيع شبكة الشراكات وتعزيز صورة الدولة المستقرة القابلة للتعاون في قضايا السلم والأمن الإقليميين. هذا السلوك ينسجم مع توجه مغربي أوسع يقوم على تنويع القنوات الدبلوماسية وعدم الارتهان لمسار واحد.
في المقابل، من الضروري ضبط سقف التوقعات. مجلس السلام، في صيغته الحالية، لا يغيّر موازين القانون الدولي، ولا يفرض مواقف جديدة على قوى كبرى ما زالت متحفظة تجاهه، مثل الصين وروسيا، اللتين تؤكدان باستمرار تمسكهما بالمركزية الأممية ورفض أي مسار قد يُنظر إليه كبديل عن النظام الدولي القائم. كما أن غياب قوى وازنة داخل الاتحاد الأوروبي يحد من قدرة المجلس على التحول إلى إطار جامع أو مرجعي.
القيمة التي يمكن أن يجنيها المغرب من هذا الانخراط تتوزع على ثلاثة مستويات مترابطة. أولا، على المستوى العلائقي، حيث يعزز المجلس التقارب مع الولايات المتحدة في مرحلة يعاد فيها ترتيب الشراكات الدولية. ثانيا، على المستوى الرمزي-الوظيفي، إذ يكرّس حضور المغرب كفاعل مساهم في مقاربات الاستقرار، لا كدولة محصورة في نزاعاتها الثنائية. ثالثا، على المستوى التكتيكي، حيث يوفر هذا الإطار هامشا إضافيا للمناورة في بيئة إقليمية معقدة، تتسم بتوترات مستمرة وتباين مواقف شركاء تقليديين.
في المقابل، لا يخلو هذا الخيار من حدود ومخاطر. الانخراط في منصات تقودها قوة واحدة يجعل قيمتها مرتبطة بتقلبات السياسة الداخلية لتلك القوة. أي تغير في الأولويات الأمريكية قد يفرغ المجلس من زخمه، ويحوّل العضوية إلى رصيد سياسي ظرفي. كما أن الإفراط في الاستثمار الرمزي في آليات غير مستقرة قد يضعف الرسالة المغربية التقليدية القائمة على احترام الشرعية الدولية وتعدد المسارات.
بناء على ذلك، يمكن توصيف انضمام المغرب إلى مجلس السلام كخيار براغماتي منخفض المخاطر وعالي المرونة، ما دام يُدرج ضمن استراتيجية أوسع ولا يُقدَّم كبديل عن الأمم المتحدة أو عن الشراكات المتعددة الاتجاهات. هو ليس قفزة نحو نظام عالمي جديد كما قال مارك كارني، ولا اصطفافا نهائيا، بل محاولة عقلانية لضمان الحضور داخل المسارات التي تتشكل في مرحلة انتقالية تتسم بالسيولة وغياب مركز دولي واحد.
الخلاصة أن المغرب لا يربح من المجلس شرعية قانونية جديدة، لكنه يربح مقعدا مبكرا في فضاء سياسي ناشئ قد يخدم مصالحه مستقبلا، والأهم أنه لا يخسر شيئا ما دام يحافظ على توازن رهاناته بين القانون الدولي، الشراكات التقليدية، والمنصات الجديدة.
التعليقات