قراءة في الترخيص الرسمي لتنظيم مؤتمر الإخوان المسلمين بفرنسا

5 أبريل 2026

عبد الحي السملالي

عودة مؤتمر لوبورجيه: شرعية تُطبَخ في الكواليس ومشاهد تكشف كيف أعادَت الدولة والتنظيم إنتاج بعضهما عبر القضاء.

لم تكن عودة ملتقى لوبورجيه حدثًا عابرًا، ولا يمكن اختزالها في قرار قضائي أو انتصار قانوني كما يروّج له البعض. فالمشهد برمّته يكشف عن مسرحية تُديرها الدولة بإيقاع محسوب، حيث لا شيء يُترك للصدفة: سبع سنوات من المنع، ثم عودة مفاجئة، ثم قرار متأخر في الأول من أبريل، ثم تراجع سريع. هذا التذبذب لا يشي بارتباك إداري بقدر ما يفتح الباب أمام قراءة أعمق: هل نحن أمام صراع حقيقي، أم أمام ترتيب متبادل يعيد توزيع الأدوار ويمنح كل طرف ما يحتاجه في اللحظة المناسبة؟

فالدولة التي تمنع حدثًا بهذا الحجم لسنوات ثم تسمح به فجأة، قد تكون بصدد إعادة هندسة المشهد الديني، لا مواجهته. والتنظيم الذي يقدّم نفسه بثوب جديد بعد تغيير اسمه من اتحاد المنظمات الإسلامية إلى مسلمو فرنسا، لم يغيّر منطقه الداخلي ولا خطابه المزدوج، بل أعاد تموضعه بما يناسب المرحلة. وهنا تبرز فرضية لا يمكن تجاهلها: هل كان اللجوء إلى القضاء جزءًا من سيناريو متفق عليه، يمنح التنظيم شرعية قضائية جديدة، ويمنح الدولة في المقابل شريكًا “مُعاد تأهيله” يمكن التعامل معه؟

فالحكم القضائي، في هذه القراءة، لا يصبح انتصارًا لطرف على آخر، بل آلية لإعادة المصداقية: التنظيم يستعيد صورته أمام جمهوره، والدولة تستعيد قدرتها على ضبط المشهد دون أن تظهر في موقع المتراجع. وهكذا يتحول القضاء إلى خشبة تُعاد عليها كتابة العلاقة بين الطرفين، لا إلى ساحة مواجهة.

أما الجماهير التي تهلل اليوم، فهي جزء من مشهد أكبر يُعاد تشكيله. فالتنظيم يحتاج مظلومية ليعيد إنتاج جمهوره، والدولة تحتاج شريكًا قابلًا للضبط، والفاعلون في المشهد العام يحتاجون كتلة يمكن تحريكها عند الحاجة. وما يبدو “انتصارًا” ليس سوى حلقة في لعبة أكبر، تُستخدم فيها الرموز الدينية كأدوات، وتُستثمر فيها العواطف كوقود، ويُعاد فيها تشكيل الوعي بما يخدم منطق الدولة ومنطق التنظيم معًا.

إن ما يجري لا يبدو صراعًا بين طرفين بقدر ما يبدو تفاهمًا غير معلن: الدولة تضبط الخشبة، والتنظيم يؤدي دوره، والجمهور يُستدرج للتصفيق أو الغضب. وفي النهاية، تبقى الحقيقة واحدة: ما دام المسلم يتحرك داخل هذا المسرح، وما دام يقبل أن يكون جزءًا من لعبة لا يصنع قواعدها، فإنه سيظل يُستعمل أكثر مما يُستشار، ويُقاد أكثر مما يختار.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...