قراءة سوسيوانثروبولوجية نقدية في تمثلات “ثقافة الفوز” داخل المنتخب المغربي
داحوس عبدوس
من الخطاب الرياضي إلى البناء الثقافي:
قراءة سوسيوانثروبولوجية نقدية في تمثلات “ثقافة الفوز” داخل المنتخب المغربي
مدخل
يشكّل النص الصحفي الذي وقّعه جمال أوجدو مناسبة دالة لرصد تحوّل نوعي في طبيعة الخطاب الرياضي المغربي، حيث لم يعد هذا الأخير منحصراً في توصيف الأداء التقني أو قراءة النتائج، بل أضحى منفتحاً على مساءلة الأبعاد الثقافية والرمزية التي تؤطر التجربة الرياضية. فمن خلال وديتي المنتخب الوطني أمام الإكوادور والباراغواي، وما أفرزتاه من مؤشرات إيجابية على مستوى الأداء والتدبير التقني تحت قيادة الإطار الوطني محمد وهبي، يتجاوز الكاتب التحليل الرياضي المباشر ليلتقط دلالة أعمق كامنة في تصريح مساعد المدرب البرتغالي ساكرامنتو، الذي عبّر عن انبهاره بما لمسه من ملامح الثقافة المغربية داخل المجموعة.
غير أن اعتماد هذا التصريح كمدخل للفهم يثير، في الآن ذاته، جملة من التساؤلات النقدية: إلى أي حد يعكس هذا الخطاب واقعاً ثقافياً موضوعياً؟ وألا ينطوي على نزعة اختزالية قد تُحوّل تجربة ظرفية إلى خاصية ثقافية ثابتة؟ ومن ثم، فإن استثمار هذا النص لا يروم إعادة إنتاج مضمونه، بل مساءلته في ضوء مقاربات سوسيوانثروبولوجية، تستحضر تداخل الخطاب الرياضي مع بناء المعنى والهوية.
السؤال المركزي:
– إلى أي حد يمكن اعتبار ما عبّر عنه ساكرامنتو مؤشراً على وجود “ثقافة فوز” مغربية؟
وهل يتعلق الأمر ببنية ثقافية راسخة، أم ببناء رمزي يتشكل في سياق النجاح الرياضي ويُعاد إنتاجه عبر الخطاب؟
=======
يندرج هذا التحليل ضمن تقاطع سوسيولوجيا الممارسة والأنثروبولوجيا الثقافية، من خلال استحضار مفاهيم الهابيتوس والرأسمال الرمزي عند بيير بورديو، حيث يشير إلى أن الممارسات الاجتماعية ليست عفوية، بل تُبنى عبر أنماط مكتسبة (Bourdieu, 1977). كما يستحضر مفهوم الانغماس الثقافي كما بلورته مارغريت ميد، والذي يبرز كيف يفضي التفاعل مع ثقافات مغايرة إلى إعادة تشكيل الإدراك (Mead, 1928).
ويُستأنس كذلك بمفهوم “الجماعة المتخيلة” عند بنديكت أندرسون، لفهم المنتخب الوطني باعتباره تمثيلاً رمزياً للأمة (Anderson, 1983).
أولاً: “ثقافة الفوز” بين الواقع والبناء الرمزي
يُقدَّم مفهوم “ثقافة الفوز” في الخطاب الرياضي بوصفه دليلاً على تميز جماعي متجذر، غير أن القراءة النقدية تكشف أن هذا المفهوم غالباً ما يتشكل بعد تحقق النتائج الإيجابية، حيث يتم إعادة تأويل السلوكيات (الانضباط، التضامن) وإضفاء طابع ثقافي ثابت عليها.
في هذا السياق، يمكن فهم “ثقافة الفوز” بوصفها شكلاً من أشكال الرأسمال الرمزي الذي يُنتج داخل الحقل الرياضي (Bourdieu, 1990)، حيث يتحول النجاح إلى مورد معنوي يعزز صورة الجماعة. وعليه، فإن هذا المفهوم لا يبدو معطى سابقاً، بل بناءً رمزياً يُعاد إنتاجه عبر الخطاب.
ثانياً: تصريح ساكرامنتو بين التجربة والخطاب
يمكن فهم تصريح ساكرامنتو في ضوء تجربة انغماس داخل سياق ثقافي جديد، غير أن هذه التجربة تظل مشروطة بسياقات محددة، من بينها موقعه داخل الطاقم التقني، والسياق الإيجابي للنتائج.
وتشير الأدبيات الأنثروبولوجية إلى أن الخطابات الناتجة عن الانغماس لا تكون محايدة، بل تعكس تمثلات ذاتية تُعاد صياغتها ضمن سياقات تفاعلية (Mead, 1928). ومن ثم، فإن هذا التصريح لا يعكس الثقافة المغربية في ذاتها، بل تمثلاً عنها يتشكل داخل خطاب رياضي مؤسساتي.
ثالثاً: المنتخب كفضاء لإنتاج هوية هجينة
يشكل المنتخب المغربي فضاءً مركباً تتقاطع داخله تكوينات أوروبية احترافية مع انتماءات وطنية متعددة، وهو ما ينتج هابيتوساً هجيناً (Bourdieu, 1977)، تتداخل فيه أنماط سلوكية مختلفة.
ولا يمكن، في هذا السياق، الحديث عن ثقافة موحدة وثابتة، بل عن دينامية تفاعل مستمر بين المحلي والعالمي، تُترجم في الممارسة اليومية داخل الفريق.
رابعاً: بين الوطنية وبناء الجماعة المتخيلة
يتجاوز المنتخب وظيفته الرياضية ليغدو تمثيلاً رمزياً للأمة، حيث تُسهم الانتصارات في تعزيز الشعور الجماعي وإنتاج سردية وطنية موحِّدة.
وفي هذا الإطار، يندرج مفهوم “ثقافة الفوز” ضمن آليات بناء الجماعة المتخيلة (Anderson, 1983)، حيث تُستخدم الرياضة كوسيط لإعادة إنتاج الانتماء الوطني، وإن كان ذلك في إطار رمزي مشروط بالسياق.
خامساً: نحو تأويل أنثروبولوجي بديل
من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، يمكن إعادة قراءة ما عبّر عنه ساكرامنتو بعيداً عن النزعة الجوهرانية، عبر التركيز على الممارسات اليومية والتفاعلات داخل الفريق.
فالثقافة، في هذا التصور، ليست خاصية ثابتة، بل شبكة من المعاني تُبنى عبر الممارسة (Geertz, 1973)، حيث تكتسب الأفعال اليومية دلالتها داخل سياقها.
رغم أهمية النص الصحفي في لفت الانتباه إلى البعد الثقافي، إلا أنه يميل إلى نوع من الرومانسية الوطنية التي تُضخّم الانسجام الجماعي وتُحوّل النجاح الظرفي إلى خاصية ثقافية عامة. كما أن اعتماد تصريح فردي كمدخل لتعميم أحكام ثقافية يطرح إشكالاً منهجياً، يتعلق بحدود الانتقال من التجربة الذاتية إلى الاستنتاج العام.
وعليه، فإن هذا الطرح قد ينزلق نحو نوع من الاختزال الثقافي، الذي يغفل تعقيد الظواهر الاجتماعية وتعدد محدداتها.
خاتمة
يخلص هذا التحليل إلى أن ما يُقدَّم بوصفه “ثقافة فوز” داخل المنتخب المغربي لا يمكن اعتباره معطى ثقافياً ثابتاً، بل هو بناء رمزي يتشكل في سياق النجاح، ويُعاد إنتاجه عبر الخطاب الرياضي. كما أن تجربة ساكرامنتو تظل تجربة ذاتية مشروطة، تكشف عن دينامية تفاعل ثقافي أكثر مما تعكس جوهراً ثقافياً ثابتاً.
________________________________________
لائحة المراجع
• Bourdieu, P. (1977). Outline of a Theory of Practice. Cambridge University Press.
• Bourdieu, P. (1990). The Logic of Practice. Stanford University Press.
• Mead, M. (1928). Coming of Age in Samoa. William Morrow & Company.
• Anderson, B. (1983). Imagined Communities. Verso.
• Geertz, C. (1973). The Interpretation of Cultures. Basic Books.
التعليقات