4 أبريل 2025 / 16:50

فهمي جدعان: ناقد غلاة التديّن والحداثة

منتصر حمادة
فهمي جدعان، مفكر إصلاحي أردني، ولكن بروح إنسانية، تنتصر لما يُصطلح عليه المشترك الإنساني، ويبدو في أعماله، أكثر غيرة ودفاعاً عن الإسلام والمسلمين، من بعض أدعياء النطق باسم الإسلام، ناهيك عن اشتغاله على أسئلة النهضة والحرية والمرأة، وفي موضوع الاشتغال على المرأة، نذكر على الخصوص كتابه “خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية”.

لنتوقف عند آراء جدعان من أحداث 2011، أي أحداث “الفوضى الخلاقة” عند البعض أو “الربيع العربي” عند البعض الآخر، حيث جاءت إشارات جدعان حول الأحداث بشكل مختلف مقارنة مع مجموعة من القراءات، معتبراً أن الانتفاضات التي نجمت تجري في مسارات تتوعد بأزمنة صعبة، وتتوخى تحقيق أهداف ليست هي تلك التي نهضت من أجلها، وأن الخارطة العربية تتشكل اليوم وفق تخطيطات مُخترعة يجري فيها إحلال نظم جديدة بدلاً من النظم التي فقدت صلاحيتها وتحكم أعطافها وجنباتها آليات التجزئة والتفكيك والتدمير الذاتي والاختلالات البنيوية.

لا يسقط مفكر رصين من طينة فهمي جدعان في فخ “القراءة المؤامراتية”، ولكنه يتحدث انطلاقاً من خبرة في حياة أمس أولاً، ومن قراءة متأنية لتطورات حياة اليوم ثانياً.

أما المخرج العَمَلي الذي يقترحه في هذا الصدد، من باب إنقاذ الديمقراطية على وجهها السديد، فيتم عبر تزويد العامة بقدر ضروري من المعرفة والعلم والتمييز؛ لأن الديمقراطية غير العالمة لن تقود إلا إلى مدينة جاهلة، أو ما يصفه بـ”توجيه أضواء حادة إلى مسائل النضج والوعي السياسي والاجتماعي والمعرفي، والتوجه إلى مرحلة من التدخل المباشر من جانب الدولة للخروج من القانون البداوة إلى قانون الحضارة لأن الحقيقة هي أن الواقع العربي في مساحات واسعة محكوم حتى اليوم بمنطق البداوة، وهو منطق يستعصي تماماً على الديمقراطية”.

للمغاربة ذكرى سيئة مع فهمي جدعان، وذات صلة بسلسلة مقالات نشرها الراحل محمد عابد الجابري في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، تتطرق لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، ولكن دون الرجوع إلى أصل المادة الخام، أي دون الإحالة على المصدر، وهو فهمي جدعان، ولو أن هذا الأخير، لم يشكك قط في قدرة الجابري العلمية، بما تطلب لاحقاً من الجابري، أن يصُحح خطيئته، ذاكراً اسم جدعان في مصادره معتذراً بأنه لجأ لبحث جدعان لثقته به كباحث ولضيق الوقت، ورد عليه بجدعان إلى بتحية متبادلة.

من أهم أعماله: “تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات”؛ “في الخلاص النهائي: مقال في وعود النظم الفكرية العربية المعاصرة”، “أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث”، “المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام”، “الطريق إلى المستقبل: أفكار – قوى للأزمنة العربية المنظورة”، “الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية”، “رياح العصر: قضايا مركزية وحوارات كاشف”، “المقدّس والحرية”، وأعمال أخرى بالطبع.

يرى جدعان أيضاً أن المسلمين ليسوا في حاجة، بعد أن استقر دينهم في أفئدة وقلوب العالم، لأن يخططوا لوجودهم في هذا العالم وفقاً لمبادئ السياسة في الصراع والاقتتال والحرب الدائمة، بقدر ما نحن في حاجة إلى “إصلاح الإنسان” بالمعنى، والقيمة، والمبادئ الأخلاقية والإنسانية الرحيمة. بذلك وحده سنتميّز عن حضارات الاستبداد والهيمنة والاستعباد، وبذلك وحده يمكن أن نكون قدوة ونموذجاً ومثالاً يحتذى لدى الآخرين، وبذلك وحده يتحقق لنا ولأبنائنا ولشعوبنا الخير والسعادة والرفاهية والطمأنينة والأمن، لا العذاب والامتحان الدائم والوضع الشقي. الإيمان التقي الرحيم، التواصلي العادل، هو طريق الخلاص، لا “الإيمان المستعلي” المسكون بإغراءات التفرد والسلطة والاستبداد والانفصال.

وجّه جدعان الدعوة مراراً إلى “تحرير الإسلام”، حتى إنه ألف كتباً بعنوان: “تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات”، ولكن، ما المقصود بـ”تحرير الإسلام”؟ يجيب جدعان، أنه لا يقصد تحرير دين الإسلام من مقدماته الكبرى ولا تقديم إسلام جديد، ولا بالأحرى شجب التجربة التاريخية الإسلامية، وإنما الدفاع عن صورة للإسلام، ماهيتها صادرة عن منطوق كتابه المنظم العظيم: صورة نقية، أصلية، مُتحرّرة من الاختلاطات والاختلالات والتجاوزات، وبأخذ في الحسبان ثلاث مُحدّدات على الأقل: تمثله الشخصي العقلي والإيماني لنصوص الوحي؛ اجتهاده النقدي العقلي الإنساني في مسائل الوجود والمجتمع؛ وأخيراً، اعتقاده أن دين الإسلام في ذاته، دين يستحق أن يُعاش، وأن يكون خياراً إنسانياً عاقلاً لإنسان يريد أن يحيا حياة أخلاقية، عادلة كريمة؛ من الضروري بذل الوسع من أجل حماية هذا الدين من أهله أولاً، ومن أعداءه ثانياً.

بالنتيجة، يرفع فهمي جدعان شعار “تحرير الإسلام” أيضاً، ليس باعتباره داعية أو واعظاً أو إسلامياً سياسياً أو غير سياسي، وإنما باعتباره مفكراً يلتزم منهجا عقلانياً تكاملياً، واقعياً، ونقدياً.

موقف جدعان من ظاهرة الحركات الإسلامية، موقف لا لُبس فيه، حيث يرى أن الإسلام السياسي” بدعة إيديولوجية حديثة، ونَسجٌ على منوال الأحزاب السياسية الحديثة، وأنه انحراف صريح عن غائية الإسلام الحقيقية التي هي غائية أخلاقية حضارية، لا حركة سياسية مكيافيلية تطلب السلطة والغلبة والإقصاء للمختلف.

نقد الظاهرة الإسلامية الحركية، تطلب من جدعان العروج على بعض أعمال علي عبد الرازق صاحب “الإسلام وأصول الحكم”، والردود التي طالت تلك الاجتهادات، قبل أن يخلُص إلى أنه يصعب اختزال الغائية الرسالية للنبوة في تمثل دين الإسلام بما هو مُلك، أي دولة سياسية دنيائية تقيمها وتدعمها وتغذيها أحزاب أو قوى أو جماعات سياسية توحد بين نفسها وبين الدولة، وتدّعي أن رسال الإسلام وحقيقته ومستقبله منوطة بالفعل السياسي لهذه الأحزاب أو الجماعات. والسبب عنده بَدَهي: هو أن دين الإسلام ينبغي ألا يكون موضوعاً لأحابيل السياسة واختلاطاتها وخدعها ومراوغاتها ونسبيتها، وأن الغائيات الدينية ينبغي ألا تكون خاضعة لاستراتيجيات المغامرة والمؤامرة والمكيافيللية والذرائعية السياسية اللاأخلاقية.

كما يؤاخذ جدعان على التيار الإسلامي بشكل عام، ذلك التعلق الشديد بمنظور ظاهري حرفي في مقاربة وفهم النصوص الدينية المتشابهة وفي تمثل القضايا الاجتماعية والكونية الخطيرة لا يمكن أن يحمل إلى دين الإسلام وأهله إلا أسباب الضعف والعجز والإساءة والتخلف، وهذا ما نعاينه بشكل صادم في السياق الحضاري الراهن، ويكفي تأمل تفاعل الرأي العام العالمي مع الظاهرة الداعشية.

ومن باب سحب البساط عن مآزق هذه القراءة الحرفية/ النصية لفهم النصوص الدينية، يجزم المؤلف أنه “لن يتقدم الإسلام في الأزمنة الحديثة إلا بالتحرر من الرؤية الاتباعية الحرفية للنصوص المتشابهة، وباختيار قراءة لها معززة بالتأويل والفهم العقلي الموافق لأحكام الزمن وطبائعه ومتطلباته المصلحية.

تميزت أعمال جدعان بالاشتغال على سؤال التراث، وهو مؤلف أحد أهم الكتب التي تطرقت لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وعنوانه “المحنة – بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام”، ويمكن تصنيف أعمال جدعان في مقام تقييم وتقويم المشاريع العلمية التي اشتغلت على أسئلة التراث، حيث يُخصّها جدعان في اتجاهات ثلاث: “إحياء التراث”، “استلهام التراث”، و”إعادة قراءة التراث”، مؤاخذاً عليها السقوط في بعض المزالق مع جماعة إحياء التراث، وتعتبر صورة من صور تجسيد الفهم السلفي للتراث، حيث يرى أن من يظن أن التراث سيقدم له مفتاح جميع الأبواب المغلقة هو بكل تأكيد إنسان حالم.

لكن من المؤكد أن أنه سيكون هناك تراث حي يتبلور بعملية التثقف ويمكن أن إدماجه في منظومة الحاضر وعيشه على نحو غير قسري؛ مع جماعة استلهام التراث، يُلخصها جدعان في ما يُشبه تسويغ لقيم الحاضر، بإسقاط غطاء تراث عليها، والعملية هنا هي عملية صورية أو تسويغية يلجأ إليها هؤلاء ذراً للرماد في العيون وإيهاماً للمتعصبين من التراثيين بأننا نوقر التراث ونأخذ منه، أي نستلهمه؛ وأخيراً، مع جماعة إعادة قراءة التراث، فإنه على هذه الجماعة أن تتفطن لجزئية دقيقة، مفادها أن مهمتنا لا تنحصر فقط في تلقي التراث وإنما أيضاً، وربما بقدر أكبر، في إبداع التراث”.

نأتي لاجتهادات فهمي جدعان بخصوص القضية النسائية، والواقع أن مُجمل أعماله في الموضوع، تكاد تحيلنا على أعمال قاسم أمين، من فرط الدفاع عن نصف مكانة المجتمع، وهي الكرامة التي تتعرض بدورها للاختزال بين طائفتين أساسيتين: الأولى تتبنى مقاربة إسلامية محافظة مُتصلبة، والثانية تتبنى مقاربة غربية إثنية عرقية معادية للإسلام؛ فكلا الخطابين ينكسر من صورة المرأة ويحصر أهميتها كلها في جسدها، ولا يُعطيها حقها كإنسانة قبل كل شيء، في الوقت الذي أعطى القرآن صورة للمرأة منافية لهاتين النموذجين الذين يتصارعان فيما بينهما، ويوجد بينهما بالطبع لائحة من القواسم المشتركة، قد يكون أهمها، وقوفهما معا أمام طريق مسدود، وكون المرأة المسلمة بقيت ضحية بامتياز، لاختيارات تمت طيلة قرون من الجمود والانحطاط.

يتساءل جدعان: هل حقاً كان الخطاب بشأن المرأة، كما صيغَ في القرآن الكريم منذ أكثر من 1400 عاماً، أكثر تحررية بل ومخالفاً في بعض الأحيان لما يقدم ويقترح حالياً، وكيف يمكن أن نوافق على استبدال النصوص القرآنية بالتقاليد الأبوية، ونوهِم الناس بعد ذلك بأن القرآن الكريم هو في حد ذاته يقوم على نظام أقرب إلى النظام الأبوي؟، وهل صحيح أن المرأة المسلمة ضحية لاختيارات تمت طيلة قرون من الجمود وما زالت إلى اليوم تعيش في ظل نظام اجتماعي يُطيل باسم الدين وبدرجات متفاوتة أمد الجور الذي ترزح تحته؛ وكيف يُعقَلُ أن لا نجد، عبر كل عصور تاريخ الإسلام، ولو تفسيراً واحداً وضعته امرأة مسلمة؟

وأخيراً وليس آخرا، أليس من المحزن أن نلاحظ أنه عوض أن نظل أوفياء لأهداف ومرامي الرسالة الإلهية بقينا على عكس ذلك، أوفياء للتأويلات والتفسيرات والقراءات البشرية التي ساهمت طوعاً أو كرهاً في نشوء وذيوع ثقافة التنقيص من شأن النساء، وأفضت في نهاية المطاف إلى تلغيم مجتمعاتنا الإسلامية!

اجتهادات فهمي جدعان في القضية النسائية سبقتها اجتهادات تم تجميعها في كتاب مرجعي حول القضية النسائية: “خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية”، وهو عبارة عن تجميع لعدد من الدراسات المُخصّصة للقضية، من منظور إصلاحي، يعلو في أفقه المعرفي والاجتهادي على السائد في مجالنا الثقافي، بما في ذلك السائد لدى التيارين سالفي الذكر: الاتجاه الإسلامي المحافظ؛ والاتجاه الغربي الإثني والمعادي للإسلام، حيث ينتصر جدعان لأحقية اشتغاله على خطاب “النسويات الرافضات” (المُتصلبات، من منظور حداثي) بضرورة إنكار أطروحات رموز هذا التيار، شرط أن يكون فعلا الإنكار مؤسّساً على أرضية علمية صلبة، عوض تكفير أهلها، والإحالة هنا على ناشطات نسويات استخدمن أقصى العبارات وعرضن أسوأ الصور في حق بعض المقدس الديني الإسلامي، يذكر منهن الصومالية أيان حرسي التي تزعم أنها لا تتحدث إلا باسم الهولندية التي في داخلها، والبنغلاديشية تسليمة نسرين، المشردة في الآفاق، أو الباكستانية إرشاد منجي التي أفضى بها الترحال إلى تلفزيون شاذ في مقاطعة كندية، والتركية نجلاء كيليك التي بات الاندماج الألماني ديدنها، مستنكراً ألا نجد نساء عربيات جديرات بأن يتوجه النظر إلى مراجعة أعمالهن الفكرية وتحقيق الصلة بينها وبين قضايا العالم العربي ومصائره.

توجيه سهام النقد العلمي الهادئ والهادف ضد هؤلاء النسويات الإسلاميات الرافضات، لم يقف عائقاً أمام فهمي جدعان، لكي يُنوّه بالعمل النقدي الذي نهضت به الناشطة التركية نجلاء كيليك في وجه الزواج القسري والزواج المنظم أو المرتب عائلياً، فضلاً عن الجهد الذي بذلته في دراسة حالات النساء المستوردات من موطنهن الأصلي إلى بلد الغربة من أجل الزواج برجال يسومونهن سوء المعاملة وسوء العذاب، منوهاً لائحة من تيار “الناشطات المسلمات” الذي يخالف في توجهه المعرفي والنقدي ما يصدر عن رموز التيار النسوي الرافض، ويقصد به الإصلاحيات اللواتي تشتغل على قراءات جديدة في النص الديني اللصيق بالمسلمين: القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن هذه الأسماء، نجد أمينة ودود وأسماء برلاس ورفعت حسن وفاطمة المرنيسي وأسماء المرابط.. والملاحظ أن أغلب هذه الأسماء راهنت على استخدام منهجية تأويلية (هرمينوطيقية) مشتقة من القرآن الكريم، وآخذة في الحسبان معنى النزعة الأبوية المتسلطة، مؤكداً أيضاً أن التقدم في وضع المرأة في الفضاءات العربية والإسلامية، مرهون بإعادة قراءة النصوص الدينية النسائية المركبة وفق منهج التأويل الذي مارسته تمارسه مفكرات التأويل النسائي الرافضات.