فلسفة العلوم ووحدة المعرفة تقتضيان تجاوز التخصص في أفق نفع الإنسانية

8 أبريل 2026

د.محمد المهدي اقرابش
أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا.
أمين المجلس الفرنسي للإرشاد الإسلامي.
عضو مؤسس للجامعة الشعبية للأديان بنيم.

إن التخصص في فن يشي ويوحي بالتعصب للعلم الذي يحذقه المتخصص، فيبخس بشعور أو بغير شعور أهمية باقي العلوم. وإن العلوم عموما مترابطة فيما بينها، ولا يمكن فصل أحدها عن الآخر بأي حال. وهذا الذي كان عليه علماء الإسلام في مرحلة الازدهار .

فالتخصص في العصر الحديث قد جاء نتيجة لرؤية غربية فصلت الدين المسيحي او على الأصح رؤية الكنيسة عن العلم. فصار الرأي الكنسي عائقا للتطور والتقدم ومضادا للعلم. فانطلق العقل الغربي في الإبداع في الفكر والتقنية ونحى الدين جانبا، رغم ان رواد عصر الانوار كانوا متدينين ولكن بطريقتهم لا بطريقة الكنسية. كانوا فلاسفة ومتدينين في أفكارهم ونظرياتهم. جعلتهم هذه الرؤية الشمولية الفلسفية ينتجون نظريات لفهم الظواهر الطبيعية والمجتمعية، و ينتجون مواثيق وقوانين لتسيير وتنظيم العلاقات في المجتمع بين الأفراد من جهة والأفراد والمؤسسات من جهة أخرى.

لقد كانت الفلسفة ولا تزال أم العلوم، والعلوم الاخرى تتفرع من الفلسفة بل إن علم الكلام هو ضرب من الفلسفة إذ أنها تشتغل أيضا بالدين النابع من الوحي الرباني إلى أنبيائه ورسله. والفلسفة من حيث كونها محبة للحكمة بحثا عن الحقيقة فإنها ستهتدي إلى الحقيقة الدينية ولو نسبيا.فهي كالجذع؛ أما الفروع والأوراق والأغصان فهي العلوم الأخرى باختلاف أنواعها.

وقد قيل فيما مضى للذي يريد ان يشتغل بالفلسفة لا يدخل علينا من لايشتغل بالرياضيات! لان الرياضيات مبنية على البرهنة والتحليل والتدليل.

يرجع الفضل إلى الفلاسفة في تصنيف العلوم ومناهجها، ولعل هذا ماقصده ابن خلدون عندما ذكر في مقدمته أنواع العلوم.و هذا ماذهب اليه الفلاسفة من أرسطو إلى الفارابي ومن اوكست كونط إلى الفيلسوف والطبيب النفسي السويسري بياجيه. لقد ابرز هؤلاء كلهم أصناف العلوم و بينوا ارتباطها وعلاقاتها الوشيجة في ما بينها. وإني أضرب لذلك مثل السيارة التي تصنع في قطاعات عديدة مستقلة، ولكن القطاعات هذه مترابطة في ما بينها لإنتاج السيارة وإخراجها في حلتها النهائية فكذلك الشأن بالنسبة للعلوم التي تخدم المجتمع والإنسان.

كان ارسطو اول من صنف تصنيفا منطقيا في العلوم المعروفة في عصره، فقال بالفلسفة النظرية التي تسعى إلى المعرفة وهي ثلاثة أنواع: الميتافيزيقا أو ماوراء الطبيعة( الإلهيات) والرياضيات الذي يبحث في الأعداد والمقادير والطبيعيات للتعرف على المتحرك الحي والمحسوس . وفلسفة عملية تتغيى الانتفاع وهي الأخلاق وتدبير الأسرة وعلم السياسة او تتغيى الإبداع المعتمد على المخيلة كالشعر والمسرح والأدب.

وقد شرح الرواقيون ذلك فقالوا: ” الحكمة شبيهة بحقل أرضه الخصبة العلوم الطبيعية وسياجه الجدل وثماره الأخلاق”.

وقد ألف الخوارزمي في الموضوع نفسه وأسماه بمفاتيح العلوم، وكذلك ابن سينا والغزالي وابن خلدون وغيرهم، وأضاف علماء الإسلام علوما تنتمي إلى الحقل الإسلامي التداولي، فمثلا قرر الفارابي في كتاباته أن العلوم ثمانية وهي: علم اللسان، علم المنطق، علم التعاليم (الرياضيات)، العلم الطبيعي، العلم الإلهي، العلم المدني(السياسة والأخلاق)، علم الفقه، و علم الكلام.

ويعجبني تصنيف الخوارزمي عندما جعل العلوم علوم شريعة ومايتصل بها من علوم العربية وهي الفقه والكلام والنحو والكتابة والشعر والعروض والأخبار و علوم العجم اليونانيين الذين أخذوها عن غيرهم فأفادت واستفاد منها الناس جميعهم، وهي الفلسفة والمنطق والطب وعلم العدد والهندسة وعلم الفلك والموسيقى والميكانيكا والكيمياء و العلوم المتفرعة عنها.

هذه العلوم هي في الحقيقة علوم شرعية كذلك لا عقلية فقط خلافا لما ذهب اليه ابن خلدون في تقسيمه للعلوم إلى شرعية وعقلية. لأن العلوم العقلية المذكورة سلفا هي شرعية لكونها نافعة للإنسان. والشرع جاء لنفع الناس وتحقيق مصالحهم. و ما لأيتم الواجب إلا به فهو واجب. إلا إذا كان المراد من كتابة ابن خلدون تبيينأصل العلم ومورده. وختاما فإننا نقول: إن العلوم الحقة او الصلبة والعلوم الإنسانية ينبغي ان تكون مرتبطة في ما بينها فلا فصل بين علوم المادة وعلوم الإنسان، لأن الشرع أمر بذلك. و قد برع علماءنا من حيث هذا المنظور في المنقولات والمعقولات، أخص بالذكر منهم الفقيه الفيلسوف ابن رشد الحفيد. ومن اراد أن يتحقق من ذلك فليقرأ كتابه الرائع فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال.

وبعبارة أخيرة أقول: إن الفقيه المثقف أو الفقيه المشارك هو المتخصص في علوم الشريعة و المشارك أيضا في العلوم العقلية والتجريبية. وكلٌّ حسب طاقته وقدرته

وفوق كل ذي علم عليم.

والله أعلم و أحكم.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

هل انتصرت إيران؟

عمر العمري لا جدوى من الإغراق في الجدل حول من انتصر في الحرب التي دارت بين إيران وخصومها، لأن العبرة الحقيقية بعد انقضاء الحروب لا تكون بكثرة الادعاءات، وإنما بمن يخرج منها حاصدا للمكاسب والمغانم.. الأكيد أن إيران خرجت من هذه الهدنة (لاتزال هشة)، في محصلتها النهائية، متقدمة في الميزان الاستراتيجي، لأن خصومها لم ينجحوا […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...