فقه المهاجرين المسلمين في الغرب: مقاربة مقاصدية في ضوء التحولات المعاصرة
الشيخ الصادق العثماني – أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
لم يعد وجود المسلمين في الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية والجنوبية وجودًا عابرًا أو هامشيًا، بل تحوّل إلى واقع إنساني واجتماعي مركّب، تشكّل عبر عقود من الهجرة والاستقرار والتجذّر..
هذا الواقع الجديد يفرض بالضرورة أسئلة فقهية وفكرية عميقة، تتجاوز منطق الفتاوى الجزئية والطارئة، لتستدعي بناء فقه تجديدي مقاصدي، يستوعب التحوّل في الزمان والمكان والإنسان .
فقه المغتربين المسلمين اليوم لا يمكن أن يُختزل في سؤال “الحلال والحرام” بمعناه الضيق، بل هو فقه الوجود والاندماج والشهادة الحضارية . فالمسلم المغترب لم يعد مجرد فرد يعيش في “دار غير إسلامية”، بل مواطن كامل الحقوق والواجبات، يشارك في بناء المجتمع، ويُسهم في الاقتصاد، ويصوّت في الانتخابات، ويتفاعل يوميًا مع منظومات قيمية وقانونية وثقافية مختلفة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى انتقال نوعي من فقه الدفاع والانعزال إلى فقه التعايش والإسهام والإبداع. فالمقاصد الكبرى للشريعة – حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والكرامة الإنسانية – لا تتحقق بالانغلاق أو بالتصادم الدائم مع المحيط، بل بالقدرة على تحقيق التوازن بين الثبات على القيم والانفتاح الواعي على الواقع. وهذا التوازن هو جوهر الفقه المقاصدي، الذي ينظر إلى الأحكام في سياقاتها، ويقدّر المآلات، ويقدّم المصالح العامة على الجزئيات الخلافية .
في السياق الأوروبي والأمريكيتين، تبرز قضايا مركزية تحتاج إلى معالجة فقهية جديدة، مثل مفهوم المواطنة، واحترام القوانين، والمشاركة السياسية، والعمل في مؤسسات الدولة، والعلاقات الاجتماعية المختلطة، والتهاني الدينية، وقضايا الأسرة والهوية لدى الأجيال الجديدة. التعامل مع هذه الملفات بذهنية فقهية قديمة، نشأت في سياقات تاريخية مختلفة، لا يؤدي إلا إلى مزيد من الارتباك والانفصام بين الخطاب الديني وواقع الناس .
الفقه التجديدي للمغتربين لا يعني التنازل عن الثوابت، بل إعادة ترتيب الأولويات. فحفظ الاستقرار النفسي والأسري والاجتماعي للمسلم، وحماية أبنائه من الاغتراب القيمي أو التطرف، وتحصين صورة الإسلام في المجتمعات الغربية، كلها مقاصد كبرى ينبغي أن تُقدَّم على الانشغال بتفاصيل شكلية أو معارك فقهية مستهلكة. كما أن فقه الأقليات – رغم أهميته – لم يعد كافيًا بصيغته التقليدية، بل يحتاج إلى تطوير ليصبح فقه “الحضور المسلم” لا فقه “الهامش المسلم”.
ومن الزاوية الفلسفية، يطرح فقه المغتربين سؤال المعنى: كيف يعيش المسلم إسلامه في فضاء تعددي؟ وكيف يتحول الدين من هوية دفاعية إلى طاقة أخلاقية إيجابية؟ هنا تتقاطع الشريعة مع الفلسفة الأخلاقية، حيث يصبح المسلم مدعوًا لتجسيد القيم الإسلامية الكبرى – العدل، والرحمة، والأمانة، والصدق، واحترام الإنسان – في السلوك اليومي، لا في الشعارات أو الصدامات الرمزية .
إنّ تجديد فقه المغتربين المسلمين يقتضي شجاعة علمية واستقلالية فكرية، بعيدًا عن الاستقطابات الإيديولوجية والمذهبية، سواء تلك التي تدفع نحو الذوبان الكامل، أو التي تغذّي خطاب الضحية والعداء والكراهية. المطلوب هو فقه واقعي، إنساني، مقاصدي، يُنصت لتجربة المسلمين أنفسهم، ويستثمر في العلوم الاجتماعية والقانونية، ويُعيد وصل الفقه بروحه الأصلية: تحقيق الخير للناس حيثما كانوا.
في زمن تتزايد فيه الهجرة، وتتسارع فيه التحولات الثقافية، تصبح هذه الومضات من فقه المغتربين ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية، تضمن للمسلمين العيش بسلام مع ذواتهم ومع غيرهم، وتفتح أفقًا جديدًا لفهم الإسلام كرسالة عالمية قادرة على التفاعل الخلّاق مع كل زمان ومكان .
هنا تتقاطع الشريعة الإسلامية مع الفلسفة الأخلاقية الإنسانية، حيث تصبح القيم الإسلامية الكبرى – كالعدل والرحمة واحترام الإنسان – جسرًا للتواصل لا أداة للانقسام .
غير أنّ تجاوز مأزق “الإسلاموفوبيا” التي انتشرت في السنوات الأخيرة في الغرب لا يمكن أن يكون مسؤولية المسلمين وحدهم . فالغرب نفسه في حاجة إلى فلاسفة عقلاء ومفكرين نقديين يعيدون النظر في فلسفة الحكم ونماذج التعايش الإنساني في زمن التعدد والهجرة .
فصعود اليمين المتطرف، وتآكل القيم الليبرالية في بعض السياقات، يكشفان عن أزمة أعمق في الفكر السياسي الغربي، أزمة تتطلب إعادة الاعتبار للعقل، وللفلسفة الأخلاقية، ولمركزية الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، لا مجرد هوية دينية أو ثقافية.
إنّ اللحظة الراهنة تستدعي حوارًا عميقًا بين فقه إسلامي مقاصدي متجدد، وفلسفة إنسانية غربية منفتحة، حوارًا يؤسس لفهم جديد للمواطنة، وللعلاقة بين الدين والدولة، ولإدارة الاختلاف داخل المجتمعات المختلطة. فالتعايش لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة حضارية في عالم متشابك المصائر، تتقاطع فيه الثقافات والأديان داخل الفضاء الواحد .
وبهذا المعنى، فإنّ فقه المغتربين المسلمين لا يهدف فقط إلى معالجة إشكالات دينية داخلية، بل يسعى إلى الإسهام في بناء أفق إنساني مشترك، يُواجه التطرف أيا كان مصدره، ويُقاوم الكراهية سواء جاءت باسم الدين أو باسم الحداثة، ويفتح الطريق نحو تعايش بشري أكثر عدلًا وعقلانية وإنسانية .
التعليقات