فئة القدرات الخاصة… كفاءات صامتة

7 فبراير 2026

إبراهيم الوثيقي

تعددت الأبحاث والدراسات والكتابات حول أوضاع الأشخاص في وضعية اعاقة، وقدمت مجموعة من التوصيات والمقترحات من لدن باحثين وخبراء حول تنزيل مضامين الاتفاقيات الدولية والقوانين المنظمة دوليا ووطنيا الى جانب الاطار المنظم لحقوق الانسان، حول النظر في الوضع الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لدوي القدرات الخاصة، بغية ادماجهم داخل مؤسسات المجتمع، الأسرة والمدرسة والمؤسسات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني لكن هذه المقاربة اتخذت مسارات متعددة وهذا راجع الى اختلاف بنية وثقافة المجتمعات المختلفة فهناك من قام بتنزيل مضامين هذه الاتفاقيات والقوانين وعمل على أبحاث ميدانية تواكب الشخص في وضعية اعاقة في جميع مراحل حياته مند الولادة الى مرحلة الشيخوخة، رعايته وتأهيله كطفل يتلقى التربية المندمجة تساعده على التعليم والتعلم داخل فضاء المدرسة بمختلف المستويات الى حين يصبح شابا مؤهلا قادرا على الاندماج في سوق الشغل وصولا الى ابراز كفاءته ومهاراته وخبراته المجتمعية ومدى مساهمته في تنمية المجتمع وتطوره داخل ميادين ومجالات متعددة تستفيد من خبراته كفاءاته العالية.

شهدت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للأشخاص في وضعية اعاقة عدت تحولات عمرية تختلف من فئة عمرية لأخرى وهذا كان له وقع وآثر على البنية الاجتماعية والمحيط الأسري للشخص في وضعية إعاقة وفي الغالب يكون مرد هذه التحولات السوسيو-اقتصادية والسيكو-تربوية، الى مقاربتين أساسيتين تؤطر دوي الهم داخل منظورين من قبل باقي أفراد المجتمع،

مقاربة تقليدية نسميها بالمقاربة “الإنسانية أو العاطفية ” التي غالبا ما تستمد جدورها من المنظور التقليدي الذي يؤطره العطف والحنان وينظر للشخص في وضعية اعاقة بأنه انسان دوي القدرات المحدودة التي لا تؤهله لأخد زمام الريادة والمبادرة والمساهمة في ابداء الرأي، واخد زمام المسؤولية نظرا لحالته الصحية سواء كانت اعاقة حركية أو بصرية أو سمعية وغيرها من باقي الاعاقات الأخرى؛ لقيت هذه المقاربة “الاحسانية” التي تنظر للشخص المعاق بأنه عالة على المجتمع والدولة ويجب الاحسان اليه فقط بدل الاستماع اليه والاستفادة من خبراته عدت انتقادات من لدن خبراء وعلماء الاجتماع وعلم النفس لكونها بمثابة سجن مؤسساتي مقيد، يبتدأ بالأسرة وينتهي بباقي مؤسسات الدولة.

مقاربات حديثة: انطلق من تجارب وأبحاث معمقة جمعت بين البحث الميداني المتخصص في مجال الإعاقة والمقاربات البيداغوجية الحديثة التي تدعم الحس الإبداعي والقدرات الخاصة وتعمل على صقل مواهب دوي الهمم، وفق تمارين تطبيقية من دوي أطرو خبراء يسهرون على مواكبة هذه الفئة الاجتماعية بمختلف فئاتهم العمرية،

كل هذا من أجل ادماج ودمج دوي القدرات الخاصة في المجتمع وتنشئتهم على تقبل الاختلاف وتملكهم لكفاية التواصل والحس النقدي والقدرة على التعبير والحوار وفن الخطابة والتواصل والتعبير الحس حركي لدوي الاعاقات الصم، هذا ما نحن في الحاجة اليه داخل المؤسسات التعليمية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية ومراكز الاستشفاء الفرعية لخبراء ومتخصصين يواكبون فئات الأشخاص في وضعية إعاقة ويزودونهم بسوائل وآليات الاشتغال التي تمكنهم من التعبير عن ذواتهم والخروج من دائرة الصمت والخجل الذي يستحوذ على أغلبهم.

تعددت المقاربات حول التمثلات الاجتماعية حول الأشخاص في وضعية اعاقة؛ لكن لازال العطب مستمرًا وهذا راجع الى سؤال جوهري يجب وضعه على أنفسنا عندما ننظر للشخص في وضعية اعاقة وهو : هل نحن أسوياء ونحقق كمالاً لذواتنا وللآخرين؟

انطلاقا من هذا التساؤل الجوهري نقدر ذواتنا أولا ونعطيها حقها، عندما نعترف أولا بما ينقصنا وندرك مكامن القوة والضعف في ذواتنا وشخصنا ومن هنا نخلق تصالح وانسجام مع ذواتنا يمكننا من معرفة ما نحن وما نريد؛ انطلاقا من هذه التجربة نتمكن من معرفة علاقتنا بالأخر والكفايات والطرق بل والاستراتيجيات التي يجب أن نتعامل بها مع الغير سواء كان سويا أو من دوي القدرات الخاصة.

الإشكال ليس في بناء مقاربات أو اتفاقيات أو أبحاث تبقى حبيسة الرفوف وإنما الإشكال الأساسي هو في معرفة ما هو الانسان كفلسفة تعيد لنا بريق الحياة، هذا المسار هو الذي يجب على جميع مؤسسات الدولة والمجتمع العمل عليه في مختلف اللقاءات والبرامج والمشاريع التربوية والثقافية؛ عندما نصل الى مرحلة ادراء قيمة الانسان كيفما كانت ثقافته وعادات وأصوله الدينية واللغوية والعرقية ونعرف بعده التاريخي والأنثروبولوجي والإثنولوجي والاثنوغرافي، سنتمكن بالفعل من الاستفادة من قيمته الانسانية وبعده الثقافي والاجتماعي لأن في الغالب ما ننظر الى الصخور بأنها مجرد ركام لأحجار تترصع فوقها أعشاب يابسة لكن قد يكون بباطنها معادن نادرة لهذا حرك الصخر واستمع للمياه الجوفة بداخله لتستمتع بما في باطنه وهذه الرسالة موجهة لمؤسسات الدولة قاطبة ومؤسسات المجتمع المدني وكل الفاعلين في ادارة الشأن المحلي أو الجهوي أو الوطني وكل بنى المجتمع أن تستثمر في هذه الكفاءات المهدورة.

اليوم حان الوقت لتزيل مضامين واتفاقيات وجل الابحاث التي ظلت تتوعد الأشخاص في وضعية اعاقة بمجموعة من المبادرات التي ماتت للأسف عند ولادتها، الاشكال الأكبر هو قد يساهم فيه بعض المثقفين ودوي الهمم من دوي القدرات الخاصة عندما يحصلون على مناصب في بعض القطاعات ويتحولون الى مجرد كائنات صامتة تنتظر الراتب الشهري والعودة إلى المنزل ويعجزون في الافصاح على مجهوداتهم وقدراتهم وكفاءتهم داخل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التربوية وهناك فئة تظل تنتقد وتنتحب تدور داخل دائرة مفرغة تحوم بها طاقة سلبية داخل الفضاءات العمومية فيتحول الشخص باعتباره مثقف حامل لشهادات عليا أو منصب مرموق الى مجرد ببغاء يعيد ما قيل ويقال هنا وهناك.

الصمت ليس دائما حكمة كما يقال وإنما قد يصبح هوان وتفاني وعطب اجتماعي يسجن صاحبه بين جدران تعود عليه برأب الصدع وهنا لا ننفي دور العديد من الأشخاص في وضعية اعاقة الذين ساهموا وتحدوا الإعاقة وتصورات المجتمع وخرجوا من دائرة الصمت بمجهوداتهم وقدراتهم وكفاءاتهم البناءة في شتى المجالات والتاريخ يؤكد ذلك وهنا نذكر على سبيل المثال:

الفزيائي ستيفن هوكينج، والأديبة هيلين كيلر، وعميد الأدب العربي طه حسين، الذين قهروا الشلل والعمى والصمم وحولوا حياتهم إلى قصص نجاح خالدة الذكر.

إن الانسان كذات فاعلة حرة ومريدة لا يصل الى طموحاته ويحقق مجده إلا بحتمية الصراع، هذا الصراع الذي يبتدأ أولا مع ذواتنا تم ينتقل الى الطبيعة التي تحتوينا وبعدها المجتمع الذي يؤطرنا بمؤسساته وهذه حقيقة لا يقبلها النيام وأصحاب الصخرة الصماء التي لا تقبل بمبدأ التغيير والتقدم.

ونختتم ببيت شعري لأمير الشعراء، الشاعر المصري أحمد شوقي، جاء فيها:

” لا أَعْلَمُ لكَ مُنْصِفًا إلا عَمَلَك، إذا أَحْسَنْتَه جَمَّلَك، وإذا أتْقَنْتَه كَمَّلَك”

 

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...