30 أغسطس 2025 / 06:56

عودة الدين إلى الحياة اليومية: حين يستعيد المقدّس حقّه في الجسد

سمير لعباد ـ استاذ مادة الفلسفة
لقد اعتقدت الحداثة طويلاً أنّها استطاعت أن تنفي الدين إلى الهامش: أن تحشره في ركن الطقوس المغلقة، أو أن تحيله إلى وجدان شخصي لا شأن له بسيرورة التاريخ.

لكنّ المفارقة أنّ الدين، في صمت طويل، لم يغادرنا أبداً. كان في انتظار لحظة الانفجار: أن يعود لا كإيمان متعالٍ، بل كخبرة يومية، كعنفوان داخلي يفرض نفسه وسط الأسواق، في شبكات التواصل، في تفاصيل الملبس واللغة والعلاقات.

إنّ عودة الدين ليست “عودة الله”، بل هي عودة الإنسان إلى الحاجة إلى معنى أكبر من السوق والدولة.

نحن لسنا أمام ارتداد إلى الماضي، بل أمام تعطّش إلى شكل آخر من السكن في العالم. ذلك أنّ الحياة اليومية، بعد أن ابتلعتها الآلة التقنية، لم تعد تُطاق من غير جرعة من المقدّس. لهذا فالدين يعود الآن لا كنسق لاهوتي، بل كعاطفة وجودية، كلغة ثانية نحاول بها أن نقول هشاشتنا.

الحداثة ظنّت أنّها ستعوّضنا عن الإله بـ “العقل” أو “الحرية” أو “العلم”، لكنّها لم تفعل سوى أن عرّت فراغنا أمام أنفسنا.

لذلك كان لا بدّ للدين أن يعود: لا ليحكم، بل ليذكّرنا بأنّ الحياة ليست مجرّد إدارة للزمن، بل مغامرة في المعنى.

إنّ الدين في يومنا هذا هو احتجاج صامت على تسليع الروح، وعلى تحويل الإنسان إلى مجرّد مستهلك. إنّه نداء آخر: أن نعيش ببطء، أن نصغي، أن نتذكّر أنّنا فانين.

إنّ السؤال ليس: هل الدين حقّ أم باطل؟ بل: لماذا عاد إلى تفاصيلنا؟

إنّ عودة الدين هي علامة على أنّ الإنسان لم يستطع أن يحتمل وحدته الكونية. إنّها ليست هزيمة للحداثة فحسب، بل هي انكشاف قاسٍ لحقيقة أنّ الإنسان المعاصر لم يجد بعد لغةً يقيم بها في هذا العالم المفتوح على العدم.

ربّما علينا ألّا نتساءل كيف نقمع عودة الدين، بل كيف نحوّله إلى فرصةٍ للتفكير في أنفسنا: كيف يمكن أن يصبح الدين فضاءً لحريّة جديدة، لا لتأبيد الطاعة؟ كيف نصنع من حضوره اليومي جسراً نحو أن نكون أكثر إنسانية، لا أكثر انغلاقاً؟

إنّ عودة الدين ليست حدثاً دينياً، بل هي حدث أنطولوجي: الإنسان، وقد وجد نفسه عارياً أمام العدم، يستدعي المقدّس كي يخفّف من وطأة الفراغ.

هكذا لا يعود الدين خصماً للعقل، بل آخر ملاذٍ للروح كي تستعيد شغفها بالحياة.