عندما تغتال “الأنانية الرقمية” نبل المبادرات

6 أبريل 2026

أحدو محمد

يشغل الباحثين الاجتماعيين اليوم إحدى الظواهر المقلقة التي يفرزها عالم “السوشل ميديا”، والمتمثلة في هوس البحث عن “التصدر” وصناعة البطولات الوهمية. فمن آثار سهولة الاتصال والتواصل التي أتاحتها التكنولوجيا الحديثة، برز صنف من البشر تخصص في اقتناص ثمار غيره؛ وهم من تصفهم الأدبيات النفسية والاجتماعية بـ “المتسلقين” الذين يتربصون بالمبادرات الصامتة، تلك التي تحركها النوايا الخالصة والزهد في الأضواء، ليعمدوا إلى الاستحواذ عليها ونسبها لأنفسهم.

إن هذا المشهد يجسد بعمق ما حلله السوسيولوجي الفرنسي جيل ليبوفيتسكي (1) (Gilles Lipovetsky) عبر تحليل دقيق في أطروحته حول ما سماه “عصر الفراغ” (L’ère du vide)؛ حيث أحلّ انتشار “النرجسية الرقمية” محل القيم الجماعية. وقد أصبح الفرد، بدعم مما توفره التكنولوجيا من سهولة التواصل وتملكه لآلياتها، مهووساً بصناعة “استعراض اجتماعي” يخدم ذاته المتضخمة أكثر من اهتمامه بالأثر الحقيقي لخدمة فعل نبيل ونافع. فالفعل هنا لا يستمد قيمته من ذاته، بل من قدرته على جلب “الاعتراف” في فضاء افتراضي يقدس الصورة على حساب الجوهر، وحجم التفاعل بدل محتوى التفاعل.

ومن الناحية السيكولوجية، يذهب “ليبوفيتسكي” إلى تفسير هذا السلوك بكونه آلية تعويضية عن “فقر الذات” وفقدان المعنى الداخلي. فالمتسلق، حسب صاحب الكتاب، يعاني من فقر حاد في الإبداع وتضخم مرضي في “الأنا” (Grandiosité)، مما يولد لديه حاجة قهرية للاستحواذ على جهد الغير كطريق مختصر لتحقيق “تقدير ذاتي” زائف. إن هؤلاء يعيشون حالة من “الجوع الرمزي”، حيث يصبح الاستيلاء على مجهود الآخرين وسيلة لترميم هوية هشة لا تستطيع الإنتاج الأصيل، فتكتفي بالسطو والجحود والتنكر لجهد الغير.

إننا أمام ما يمكن تسميته بـ “الإيثار الاستعراضي”؛ حيث تتحول المبادرة من رسالة إنسانية سامية إلى “سلعة” تُعرض في بورصة “اقتصاد الانتباه” لجذب الأضواء الزائفة. وقد ساهمت الفضاءات الافتراضية في تعزيز هذه الظاهرة بشدة؛ فبضع صور ملتقطة بعناية مع نصوص عاطفية “مقتبسة بغير حق” كفيلة بجعل “المتزيّن بجهد غيره” بطلاً في أعين جمهور يفتقر غالباً لأدوات التحقق والتمحيص.

بالمقابل، يظل الفاعل الحقيقي في ظله الصامت، مترفعاً عن الدخول في صراعات إثبات الذات التي قد تخدش نقاء سريرته. وتكمن الخطورة الحقيقية لهؤلاء “المستعرضين” في تزييف الوعي الجمعي وإفراغ العمل التطوعي من قدسيته، مما يولد بيئة من التوجس قد تُنفر الفضلاء من مواصلة عطائهم خوفاً من “الاستلاب المعنوي” واختطاف مجهوداتهم.

ومع ذلك، يظل التاريخ والواقع يثبتان أن الأثر الحقيقي لا يُصنع بـ “اللايكات” المنهوبة، بل بالإخلاص الذي يترك بصمة في وجدان الناس لا يمحوها تزييف. فالمترامي على مجهود الناس قد يربح الضوء مؤقتاً تحت بريق “الترند” الزائل، لكنه أبداً لن يربح الصدق أو الامتداد التاريخي والحقيقة.

الهامش:

(1) Gilles Lipovetsky. L’ère du vide : Essais sur l’individualisme contemporain. Gallimard, 1983.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...