على خطى الخليل، حين يصير القلب حرما آمنا
د محمد غاني
في رحاب الآية الكريمة: “وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ” البقرة 125، تتجلى لنا أبعاد عرفانية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال.
إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، وهو دعوة لكل سالك لطريق القوم أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه ووجه الله تعالى الحبيب المحبوب هو المبتغى.
عندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم كمنارة أمن و مرسى طمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليما كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به.
هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح.إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه.
إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئا، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والأمان الإلهي ين.
وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر قارئ في باطنه. ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر.
هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلاً على عظمة الخالق وحكمته.
فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين التسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء، و من دخلها كان من الذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون.
التعليقات