عالم بلا اتجاه: تأملات في زمن التيه
داحوس عبدوس
يصعب اليوم تجاهل الإحساس العام بأن العالم يتحرك كثيرًا، لكنه لا يعرف تمامًا إلى أين يمضي. الأخبار تتلاحق، والأزمات تتكاثر، والخطابات تمتلئ بالشعارات الكبيرة، ومع ذلك يتنامى شعور خفي بأن شيئًا جوهريًا قد اختلّ: الإحساس بالاتجاه والمعنى. ليس ما نعيشه مجرد اضطراب سياسي أو اقتصادي، بل حالة أعمق من التيه، تكاد تكون سمة عصر بأكمله.
في هذا السياق، تبدو استعارة “المتاهة” التي اقترحها أمين معلوف في كتابه Labyrinthes des égarés توصيفًا بالغ الدقة لعالمنا المعاصر. المتاهة ليست فضاءً للفوضى بقدر ما هي حركة بلا بوصلة، ومسارات تتكاثر دون أفق واضح. العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، لكن هذا التسارع لا يواكبه بالضرورة وضوح أخلاقي أو اتفاق على القيم التي يفترض أن تضبط هذا التغير وتمنحه معنى.
لسنوات طويلة، استندت المجتمعات إلى أفكار كبرى مثل التقدم، والعقل، والعدالة، وحقوق الإنسان. ورغم ما شاب هذه الأفكار من إخفاقات وتناقضات، فإنها وفّرت أفقًا مشتركًا، وإحساسًا بأن التاريخ يسير، ولو بتعرج، نحو الأفضل. اليوم، ما تزال هذه القيم حاضرة بقوة في الخطاب العام، لكنها تُستعمل في كثير من الأحيان كلغة أكثر منها ممارسة. وكما يحذّر معلوف في غرق الحضارات، فإن أخطر ما قد يصيب القيم ليس انهيارها الصريح، بل تفريغها من مضمونها مع الإبقاء على أسمائها، حتى تتحول إلى شعارات بلا التزام.
يتجلّى هذا الخلل بوضوح في طريقة تعامل العالم مع القضايا الكبرى. ما يُدان في سياق يُبرَّر في سياق آخر، وما يُعدّ حقًا هنا يصبح مسألة ثانوية هناك. لا يعود التناقض مجرد ازدواج في المعايير، بل يتحول إلى مناخ عام تُدار في ظله السياسة والخطاب. هنا تبرز ملاحظة حنّة أرندت عن “اعتياد الشر”، حين لا يكون الانحراف نتيجة تطرف فجّ، بل حصيلة غياب التفكير والمسؤولية، وتحوّل الممارسات الإشكالية إلى وقائع يومية مقبولة طالما غُطّيت بلغة مريحة للضمير.
أمام هذا الارتباك، يعود كثير من الناس إلى هوياتهم بحثًا عن الأمان. الدين، القومية، أو الانتماء الثقافي تتحول أحيانًا إلى ملاذ من عالم متغير ومقلق. وقد نبّه معلوف، في الهويات القاتلة، إلى أن الهوية لا تصبح مشكلة إلا حين تُختزل في بُعد واحد وتُحمَّل ما لا تحتمل، فتتحول من مساحة انتماء إلى أداة مواجهة وإقصاء. هذا الميل لا يمكن فصله عن عالم سريع التحول، هشّ العلاقات، يدفع الأفراد إلى التشبث بما يبدو ثابتًا، حتى وإن كان ذلك على حساب التعدد والانفتاح، وهو ما قرأه زيغمونت باومان بوصفه ردّ فعل على سيولة العالم المعاصر.
يزيد من تعقيد هذا المشهد عالمٌ رقمي تتكاثر فيه الأصوات وتتراجع فيه القدرة على التمييز. المعلومة متاحة على الدوام، لكن الفهم لا يتعمق بالضرورة. كثرة الكلام لا تعني وضوحًا، وقد تخفي في كثير من الأحيان فراغًا في المعنى أو عجزًا عن الإصغاء. وكما حذّر جورج أورويل مبكرًا، حين تُستنزف اللغة وتُستخدم للتبرير بدل الكشف، تفقد قدرتها على قول الحقيقة، ويصبح الغموض أداة لا خللًا.
ومع ذلك، لا يبدو هذا الواقع دعوة إلى التشاؤم بقدر ما هو دعوة إلى إعادة التفكير. فربما لا يكمن الخروج من زمن التيه في البحث عن يقينيات جديدة جاهزة، بل في استعادة القدرة على السؤال، وعلى الشك البنّاء، وعلى التمييز بين ما يُقال وما يُمارس. وربما يبدأ استعادة المعنى، كما يوحي مشروع معلوف الفكري في مجمله، من إعادة تعريف ما نعتبره تقدمًا، وما ننتظره من القيم التي نرفعها.
في عالم بلا اتجاه واضح، قد لا نحتاج إلى إجابات نهائية بقدر ما نحتاج إلى شجاعة التوقف والتفكير، وطرح الأسئلة الأساسية: أيّ عالم نريد أن نعيش فيه؟ وأيّ قيم نرغب حقًا في أن تهدينا، لا في الخطاب فقط، بل في الممارسة أيضًا؟ لعلّ الاعتراف بالتيه ذاته هو الخطوة الأولى نحو الخروج منه.
التعليقات