ظاهرة تاكر كارلسون في العلاقات الدولية: أعطني وسيلة اعلام مستقلة وخذ مني ألف فارس

22 فبراير 2026

علي البلوي

في المشهد السياسي العالمي المعاصر، برز تاكر كارلسون ليس فقط كإعلامي “مستقل” بعد رحيله عن قناة فوكس نيوز، بل كفاعل جيوسياسي عابر للقارات، يمتلك القدرة على التأثير في الرأي العام العالمي وتحدي الروايات الرسمية للدول الكبرى.

إن تحول كارلسون من مذيع في شبكة إخبارية كبرى إلى منصة إعلامية مستقلة منحته مرونة فائقة مكنته من اختراق “المحرمات” في السياسة الخارجية الأمريكية، مما أدى إلى تغييرات ملموسة في موازين القوى الناعمة.

لسنوات طويلة، اعتمدت السياسة الدولية الغربية على “إجماع” تروج له كبرى المؤسسات الإعلامية ووزارات الخارجية.

جاء تاكر كارلسون ليكون الصوت الأبرز الذي يكسر هذا القالب. في الأزمة الأوكرانية على سبيل المثال، لم يكتفِ كارلسون بنقد الدعم العسكري، بل شكك في الجدوى الأخلاقية والجيوسياسية لهذا الانخراط.

هذا التأثير انتقل من شاشات الهواتف إلى أروقة الكونغرس الأمريكي، حيث بدأ الجناح اليميني في الحزب الجمهوري يتبنى خطاب كارلسون حول “أمريكا أولاً”، مما أدى إلى عرقلة حزم المساعدات العسكرية وخلق انقسام حاد داخل حلف الناتو.

إن قدرة إعلامي واحد على زعزعة إجماع عسكري وسياسي دولي تعكس قوة “الإعلام المستقل” في عصر الوسائط الرقمية.

لعل أبرز أوجه تأثير كارلسون في السياسة الدولية هو قيامه بدور “الدبلوماسي المستقل”. من خلال مقابلته الشهيرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كسر كارلسون العزلة الإعلامية التي فرضها الغرب على الكرملين. لم تكن المقابلة مجرد حدث صحفي، بل كانت محاولة لإعادة صياغة فهم الجمهور الغربي لجذور الصراع، بعيداً عن الرواية الرسمية للبيت الأبيض.

هذا النوع من “الدبلوماسية الإعلامية” يمنح القادة الذين يصنفهم الغرب كـ “خصوم” فرصة لمخاطبة الشعوب الغربية مباشرة، مما يضعف قدرة الحكومات على حشد الدعم الشعبي لسياسات العقوبات أو المواجهة العسكرية.

كما أن زياراته لقادة مثل فيكتور أوربان في المجر ونايب بوكيلي في السلفادور، جعلت منه مروجاً لنموذج “القومية السيادية” الذي يرفض العولمة الليبرالية، مما عزز من تماسك تيار دولي جديد يعادي مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

يؤثر كارلسون في السياسة الدولية عبر آلية “تفكيك المصداقية”. من خلال تسليط الضوء على إخفاقات الاستخبارات الأمريكية السابقة (مثل حرب العراق) وتطبيق هذا النقد على الصراعات الحالية، فإنه يخلق حالة من “الارتياب الشعبي” تجاه مبررات التدخل العسكري.

هذا الارتياب يقلص من “هامش المناورة” لصناع القرار في واشنطن ولندن وبروكسل. فعندما يشكك الملايين في دوافع الناتو بناءً على تحليلات كارلسون، يصبح من الصعب سياسياً على القادة الديمقراطيين تبرير الإنفاق العسكري الضخم في الخارج بينما تعاني شعوبهم من التضخم أو أزمات الهجرة.

إن تأثير تاكر كارلسون لم يعد محصوراً في الناخب الأمريكي، بل أصبح ملهماً لحركات اليمين في أوروبا وأمريكا اللاتينية.

إن خطابه الذي يركز على الهوية الوطنية، ورفض الهجرة غير الشرعية، وانتقاد “النخبة العالمية في دافوس”، وفر لغة مشتركة لتيارات سياسية متباعدة جغرافياً.

بهذا المعنى، يعمل كارلسون كـ “جسر إيديولوجي” يربط بين المحافظين في الولايات المتحدة والسياديين في أوروبا.

هذا الترابط يغير من خريطة التحالفات الدولية، حيث نرى اليوم تقارباً بين تيارات سياسية في دول مختلفة تجتمع كلها على أجندة “تاكر كارلسون” الإعلامية، مما يهدد هيكل النظام الدولي الليبرالي الذي استقر منذ نهاية الحرب الباردة.

يمثل تاكر كارلسون ظاهرة فريدة في السياسة الدولية؛ فهو يثبت أن الإعلامي المستقل في عصر “الإنترنت المفتوح” يمكنه ممارسة دور يتجاوز دور وزراء الخارجية في بعض الأحيان. إنه لا ينقل الخبر فحسب، بل يصنع “الوعي البديل” الذي يعيد تشكيل أولويات الدول وتوجهات الشعوب تجاه الحروب والتحالفات.

بينما يراه البعض تهديداً للأمن القومي والاستقرار الدولي، يراه آخرون صمام أمان يمنع الانزلاق نحو حروب عالمية كبرى تقودها النخب. وفي كلتا الحالتين، يبقى تأثيره حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها في القرن الحادي والعشرين.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...