ظاهرة التكلف في القنوت والبكاء في الصلاة: وقفة للتأمل
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب ومؤطر ديني بفرنسا
برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة لافتة في بعض الصلوات، ولا سيما في صلاة التراويح والوتر، كما يظهر ذلك أيضًا في المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يلحظ بعض الناس في القنوت والدعاء نوعًا من التكلف في الألفاظ، والمبالغة في إظهار البكاء والخشوع. وقد أصبح هذا الأمر محل تأمل وتوقف لدى كثير من المتابعين.
ومن هنا يحسن بنا التذكير بأن العبادة في أصلها تقوم على الصدق والإخلاص، لا على التصنع وإظهار المشاعر. وقد أشار القرآن إلى ذم التكلف في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، ( سورة ص : 86 ) وهذا توجيه يذكّر المؤمن بأن يكون بعيدًا عن التعسف والتصنع في عبادته، وأن يحرص على البساطة والصدق فيها، لأن المقصود من العبادة هو التقرب إلى الله تعالى بإخلاص، لا استعراض المشاعر أو لفت الأنظار.
القنوت في الوتر عند من يراه مشروعا في الوتر عند الحنابلة وليس حكرا عليه كما قد يفهمه بعض الناس فيمكن ان يكون في الركعة الثانية من صلاة الصبح كما هو عند المالكية وقال بعضهم في أي صلاة اخرى فريضة أو مستحبة ومنهم من جعله في النوازل.
وهذا باب آخر على كل حال الدعاء في القنوت عبادة مشروعة، وباب من ابواب التقرب إلى الله، لكنه ليس موضعًا للإطالة المفرطة أو الأدعية المتكلفة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الدعاء ويكره التكلف فيه، وكانت أدعيته موجزة عظيمة المعنى، بعيدة عن التعقيد والتصنع. وإنَّ أفضل الأدعية ما ورد ذكره في القرآن الكريم والسنة النبوية، ولا بأس بالدعاء بغيرهما إذا كان يخدم المعنى ويؤدي المقصود دون تكلف أو تعسف في العبارات أو حرص على السجع والوزن، وكأن الدعاء تحول إلى مسابقة في البلاغة أو الشعر. ومن الأمور التي انتشرت في القنوت وتحتاج إلى مراجعة :
1- الإطالة المملة في الدعاء :
فقد صار بعض الأئمة يطيلون القنوت حتى يبلغ 50 دقيقة وتقارب الساعة، بينما لم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أطال القنوت بهذه الصورة. بل كان يميل إلى الاعتدال والاختصار.
2. التكلف في السجع :
يتعمد بعض الداعين المحافظة على الوزن والقافية في الدعاء، فيقولون عبارات متتابعة على نسق واحد مثل : أكرمته، ورزقته، وهديته، وزوجته… إلى آخره. وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لمولاه عكرمة : انظرِ السجع من الدعاء فاجتنبْهُ فإني عهدت رسول الله وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب [ رواه البخاري ]
3. التكرار الممل للدعاء :
الإلحاح في الدعاء مشروع، غير أن تكرار العبارات نفسها مرات كثيرة دون حاجة، وكأنها محطة للبحث عما يليها من كلمات، قد يجعل الدعاء مرهقًا للمصلين ويُخرجه عن مقصوده.
4. تصنع البكاء والتباكي :
أصبح البكاء عند بعض الناس كأنه ركن من أركان القنوت، حتى صار بعضهم يتكلف إظهاره، مع أن البكاء الصادق ثمرة من ثمرات الخشوع يغلب القلب من غير تكلف. وحتى على فرض صحة حديث : ” فإن لم تبكوا فتباكوا ” فالمقصود استحضار الخشوع وتليين القلب، لا التصنع والرياء ولا ما يُرى أحيانًا من نحيب ورفع للصوت أو تقليد بين المأمومين وتكبير وما إلى ذلك …
إن التأثر بالقرآن محمود، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى مبالغة في الأداء والتنغيم طلبًا للتطريب؛ فالمقصود من الإمامة الخشوع وتدبر كلام الله. وقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم والسلف واضحة خالية من التكلف، يعطون الحروف حقها ومستحقها دون إفراط في المدود والتنغيم. وكان السلف يخفون بكاءهم خشية الرياء، حتى إن بعضهم إذا غلبه البكاء قال: ما أشد الزكام ! وكانوا يقولون : الإخلاص أن تخفي حسناتك كما تخفي سيئاتك. وهكذا ينبغي للمؤمن أن يراقب قلبه في عبادته، وأن يجعل قصده وجه الله وحده، بعيدًا عن حب الظهور أو طلب إعجاب الناس.
الخشوع عبادة قلبية عظيمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى مظهر أو وسيلة لاكتساب الشهرة أو التأثير في الناس. طبعاً يبقى الأصل أن نحسن الظن بالناس، فنيات القلوب يعلمها الله وحده، وإنما المقصود من هذا الكلام التنبيه والإصلاح، لا الطعن في النيات أو الحكم على الأشخاص.
والله من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.
التعليقات