صلاة العيد وصلاة الجمعة إذا اجتمعتا في يوم واحد
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب مؤطر ديني بفرنسا
من المسائل التي تتكرر كلما وافق يوم العيد يوم الجمعة: هل تسقط صلاة الجمعة عمّن صلّى العيد، أم تبقى واجبة؟ وهي مسألة قديمة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وتنازع فيها الفقهاء بين الأخذ بالتيسير أو التمسك بالإلزام، ولكل فريق أدلته وتعليلاته. وقد تجدد هذا الخلاف في واقع المسلمين اليوم، كما يصادف في فرنسا وغيرها من البلدان العيد يوم الجمعة، مما يستدعي بيان الحكم الشرعي بناءً على النصوص الشرعية وأقوال العلماء.
وقد وردت نصوص تدل على التيسير في هذه الحالة، مع بقاء فرضية الجمعة على من لم يشهد صلاة العيد أو لم يحتج إلى الرخصة. ثبت عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة العيد أول النهار، ثم رخّص في الجمعة، فقال: ” من شاء أن يصلي الجمعة فليصلِّ ” وهو حديث صححه جمع من العلماء، منهم ابن المديني والحاكم والذهبي، ويدل على أن من حضر صلاة العيد له رخصة في ترك الجمعة. كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون ” وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وابن الجارود، ويبين الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ الرخصة، لكنه أقام الجمعة في الوقت نفسه، مما يدل على بقائها وعدم سقوطها مطلقًا، وقيل أيضًا بعدم سقوطها عن الإمام دون غيره، لأن بعض من تجب عليهم الجمعة قد يتخلف عن العيد فيصلي بهم الإمام.
وقد فهم الصحابة هذا المعنى عمليًا، فجرت أعمالهم على نحو من التيسير المقيّد بالمشقة، كما حصل في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ أذن لأهل العوالي، وهم سكان المناطق البعيدة عن المدينة، أن ينصرفوا بعد صلاة العيد دون انتظار الجمعة، مراعاةً لما قد يلحقهم من عنت في البقاء أو الرجوع.
وانطلاقًا من هذه النصوص، ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الحنابلة والمحدثون، إلى أن من حضر صلاة العيد يُرخّص له في ترك الجمعة، على أن يصلي بدلها صلاة الظهر، جمعًا بين الأدلة، فعملوا بأحاديث الترخيص مع إبقاء أصل الفرض لمن لم يشهد العيد أو لمن أراد حضور الجمعة.
وفي المقابل، ذهب الإمام مالك، وهو المشهور في المذهب المالكي، وأبو حنيفة إلى أن الجمعة لا تسقط عن من حضر العيد، وأن الواجب حضور الصلاتين معًا، مستدلين بعموم النصوص الدالة على فرضية الجمعة، كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) سورة الجمعة الاية : 9. وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ” متفق عليه. وعلّلوا ذلك بأن صلاة العيد سنة لا تُسقط فرضًا، وأجابوا عن أحاديث الترخيص بأن ذلك خاص بمن تلحقهم مشقة، كأهل البوادي، مستندين إلى فعل عثمان رضي الله عنه الذي خصّ الإذن بالبعيدين، وهو اختيار ابن عبد البر كما في التمهيد.
وعند جمع هذه الأقوال والنظر في الأدلة، يتضح أن الخلاف قائم على تحقيق المناط، أي مراعاة حال المكلّف وظروفه. فحيث توجد المشقة، كالابتعاد عن المسجد، أو الإرهاق الناتج عن العمل أو الالتزامات الأخرى، فإن الرخصة ثابتة، ويجوز لمن حضر صلاة العيد أن يترك الجمعة ويصلي الظهر. أما إذا انتفت المشقة، وكان المسلم قريبًا من المسجد وقادرًا على الحضور، فإن حضور الصلاتين هو الأحوط والأكمل، خروجًا من الخلاف واتباعًا للأصل.
وخلاصة القول: أن اجتماع العيد والجمعة لا يؤدي إلى إسقاط الجمعة عن جميع الناس بإطلاق، كما لا يُلزم الجميع بها على حال واحدة، بل جاءت الشريعة بحكم وسط يجمع بين رفع الحرج والمحافظة على الشعائر؛ فأقرت الرخصة عند الحاجة، وأبقت باب الفضل مفتوحًا لمن أراد الأخذ بالأكمل، وهو من محاسن ديننا القائم على التيسير دون تفريط، وعلى الالتزام دون تعسير.
والله أعلم.
التعليقات