صدور كتاب “الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة” للدكتور رفيق عبد السلام

16 يونيو 2026

أحمد المهداوي
صدر حديثًا عن دار الأصالة العلمية بإسطنبول كتاب جديد بعنوان «الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة» للدكتور رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسي الأسبق وأحد أبرز الباحثين في قضايا الفكر السياسي العربي المعاصر، ويأتي هذا الإصدار في سياق عربي ما تزال فيه أسئلة التحول، والدولة، والديمقراطية، والعلاقة بين الديني والسياسي مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل تعثر مسارات التغيير التي عرفتها المنطقة خلال العقد الأخير.

الكتاب لا يكتفي بوصف الإخفاق العربي، بل يسعى إلى تفكيك أسبابه التاريخية والسياسية والفكرية، انطلاقًا من مقاربة نقدية تتجاوز التفسير التبسيطي أو القدري لما آلت إليه الثورات العربية.

ويقع الكتاب في خمسة محاور كبرى تشكل في مجموعها إطارًا تحليليًا لقضايا الاجتماع السياسي العربي الراهن، مع تركيز خاص على التجربة التونسية ومسارات الربيع العربي، ففي المحور الأول يتناول المؤلف الثورات العربية، محللًا أسباب تعثرها، ومبرزًا اختلال موازين القوى داخليًا وخارجيًا، وأخطاء الفاعلين الجدد، وعجزهم عن بناء تحالفات إقليمية ودولية قادرة على حماية مسارات التغيير، في مقابل سرعة تنظيم قوى الثورة المضادة وفاعليتها.

أما المحور الثاني فيخصصه لمسألة العلاقة بين الدولة والدين، حيث يذهب الكاتب إلى أن الإشكال الجوهري في العالم العربي لا يتمثل في “سيطرة الدين على الدولة”، كما يُشاع، بل في سيطرة الدولة على الدين ومؤسساته، وتسخيرها للمقدس من أجل تثبيت الهيمنة السياسية، وينتقد في هذا السياق النزعة التدخلية للدولة العربية، حتى في أكثر صيغها ادعاءً للعلمانية، مؤكدًا الحاجة إلى ما يسميه “الحياد الإيجابي للدولة” إزاء الدين والمجتمع، بما يحفظ استقلال الحقل الديني دون فصله عن النسيج الاجتماعي والقيمي.

وفي المحور الثالث يناقش الكتاب القضية الديمقراطية والتحول الديمقراطي، محذرًا من تحويل الديمقراطية إلى وصفة سحرية لمعالجة جميع أزمات العالم العربي، ويؤكد أن الديمقراطية، رغم أهميتها في الحد من الاستبداد لا تستطيع وحدها تجاوز الأعطاب البنيوية العميقة المرتبطة بالاقتصاد، والجغرافيا السياسية، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية، وهنا يتوقف عند تجربة الإسلاميين في الحكم، معتبرًا أن إخفاقهم لم يكن بسبب رفضهم للديمقراطية، وإنما بسبب ممارستهم لها في سياق غير ديمقراطي تحكمه الصراعات والمؤامرات والتدخلات الخارجية.

فيما يخصص المحور الرابع لتحليل أزمة الدولة العربية الحديثة التي تشكلت في سياق التجزئة السياسية، وما نتج عنها من هشاشة بنيوية أضعفت قدرتها على النهوض والمنافسة، وينتقد الكاتب سياسات الاصطفاف الإقليمي التي عمقت الانقسام العربي، وأدت إلى إعادة تعريف التحالفات على نحو يتناقض مع المصالح التاريخية للشعوب العربية، كما يدعو إلى إعادة الاعتبار لفكرة العروبة بوصفها رابطة سياسية ولغوية مفتوحة، لا أيديولوجيا مغلقة، وقاعدة ضرورية لأي مشروع نهضوي عربي متفاعل مع محيطه الإسلامي الأوسع.

أما المحور الخامس والأخير فيتناول قضية الحداثة والتحديث، من خلال قراءة نقدية لعلاقة العرب بالغرب الحديث، بين الانبهار بإنجازاته التقنية والسياسية، وضرورة تحرير الوعي العربي من ادعاءاته الكونية ومركزيته الثقافية، ويبرز الكتاب كيف ساهمت التيارات النقدية الغربية نفسها في تفكيك الأسس الفلسفية للحداثة الغربية بما يفتح المجال أمام قراءة أكثر توازنًا للتجربة الغربية، تقوم على التمييز بين ما هو كوني قابل للتعميم، وما هو تاريخي نسبي.

ويخلص الكتاب، في مجمله، إلى أن الإخفاق العربي ليس قدرًا محتومًا، ولكنه نتيجة مسار تاريخي معقد، يتطلب مراجعات فكرية وسياسية عميقة، وبناء وعي جديد قادر على تجاوز ثنائيات الاستبداد والفوضى، والتبعية والانغلاق، ومن هذا المنطلق، يشكل كتاب «الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة» إضافة نوعية إلى النقاش العربي الراهن، ومرجعًا مهمًا لكل المهتمين بأسئلة النهضة، ومستقبل الدولة، وآفاق التغيير في العالم العربي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

إيران: من مشروع الإطاحة إلى شرعنة النفوذ

يؤشر الاتفاق الأميركي الإيراني الأخير، المزمع توقيعه الجمعة المقبل في سويسرا، إلى تحول جوهري في طبيعة التعامل الدولي مع إيران، أكثر مما يعبر عن ترتيب مؤقت لوقف الحرب، إذ انتقلت الولايات المتحدة من إدارة المواجهة على أساس إسقاط أو إضعاف النظام الإيراني وعزله إلى التفاوض معه باعتباره قوة مؤثرة في قضايا الأمن والطاقة والممرات البحرية […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...