كان المجلس الحكومي للنبي والملك سليمان مجلسا عظيما، تحضره قوى الخلق: من الملائكة والإنس والجن والحيوان والطير، وأعتقد أن كل أمة كانت تمثل في ذلك المجلس بشخص من أرجح أفرادها عقلا وفكرا، ومن بلغ الولاية العظمى في جنسه، فكان تمثيلا نوعيا لا كميا (تمثيل قطاعي). وكان يحضر المجلس أيضا رجل له “علم من الكتاب” (التوراة) (كان يمثل الانس)، ذاك الذي استطاع وحده أن يأتي بعرش ملكة سبأ من اليمن إلى فلسطين في لحظة، في فعل لا يقدر عليه حتى أعتى عفاريت الجن (العفريت كان يمثل الجن). قصة “الذي عنده علم من الكتاب” نعود إليها لاحقا في تدوينة أخرى لأنها قصة عظيمة فوق ما يستطيع أن يتصور الانسان..
أما ما يعنينا الآن، فهو قصة الهدهد:
الهدهد، في نظرنا، يمكن أن نراه إعلاميا استثنائيا، يمثل “قبيلة الصحافيين” في مملكة سليمان، أو لعله كان على رأس جهاز “الاستنباءات” الاستخبارات الخارجية المتخصص في الشؤون الدولية للمملكة، وفي هذا دلالة على أن الإعلامي، في جوهره، ليس سوى رجل استنبائي ـ جاسوس (يتجسس أو يتعقب ويتحرى الأنباء).
إذن، من هو الصحافي أو الجاسوس الرسالي في هذه القصة؟ (بعيدا عن معيار من يملك “البطاقة” أو لا).
أولا: الإعلامي أو الجاسوس عنصر جوهري وأساسي في المجلس الحكومي للدولة، وفي قصة سليمان، نلاحظ أنه تغيب يوما عن المجلس، فتوعده الملك بالعقاب الشديد أو حتى الإعدام، ما لم يأت بحجة بينة تبرر غيابه، فلم يكن مقبولا بأي حال من الأحوال أن يغيب هذا العنصر عن مجلس الملك دون عذر معتبر، فالتغيب هنا جريمة مهنية، والعقوبة قد تكون تعذيبا أو ذبحا أو إسقاطا للشرعية، ونفهم من ذلك أن قطاع الإعلام أو “الاستنباء” كان مكونا سياديا في أي مملكة، وأن من يمثله لا بد أن يكون في مستوى الهدهد. (وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) (سورة النمل الاية 20 و21).
ثانيا: الإعلامي، أو رئيس الاستخبارات في هذه الحالة، جاء بمعلومة ثمينة جدا، لم تكن حتى في علم الملك نفسه، الذي يحكم الإنس والجن، هذا يعني أن الصحافي أو الجاسوس الحقيقي يمتلك معلومات ليست في متناول أعلى هرم في السلطة، فمن لا يملك المعلومات، ومن لا ينفرد بها، لا يمكن اعتباره محترفا، ولا يستحق الحضور إلى مجلس الملك، ولا تمنح له “بطاقة الاعتماد”. قال الهدهد للملك: (أحطت بما لم تحط به) (سورة النمل الاية 22)، وهو تصريح ينطوي على ثقة كبيرة في النفس، ويشير إلى أن الإعلامي أو الجاسوس يجب أن يؤمن بذاته لأنه يحمل ما لا يحمله غيره: المعلومة والمعلومة، في ميزان السلطة، سلطان، ومن يأتي بها صحيحة، تعطى له “البطاقة” و”المكانة”، ومن يقدم نبأ غير يقين، تسحب منه فورا، ويحرم من امتيازات “المجالس”.
ثالثا: الانفراد بالمعلومة لا يكفي، لا بد أن تكون معلومة دقيقة إلى درجة اليقين الذي لا يعتريه شك. قال الهدهد: (وجئتك من سبإ بنبإ يقين) (سورة النمل الاية 22)، وهذا اليقين لا ينال إلا بالرصد، والمتابعة، والملاحظة، والمقارنة، والمعاينة، وكلها أدوات مارسها الهدهد باحتراف، وقد تطلب منه ذلك وقتا، ومعاناة، وصبرا. لقد كان الهدهد جاسوسا، وفي ذات الوقت “صحافيا استقصائيا”، تسلل إلى مملكة سبأ بأراضيها الشاسعة، وراح يحيط بالمشهد من كل زاوية، من أجل كتابة تقرير متماسك، مبني على التحقيق والتحري والدقة. (أحطت بما لم تحط به) لم تكن جملة للزينة، بل خلاصة جهد استخباراتي ـ صحافي بالغ التعقيد.
رابعا: ما تحدثنا عنه سابقا هو الشروط الشكلية والمهنية التي ينبغي أن تتوافر في “عملية الاستنباء” (افضل مصطلح “الاستنباء” بدل “الاستخبار” لأنه يعبر عن عالمي الغيب والشهادة) وفي الإعلامي أو الجاسوس، حتى يكتسب صفة المهنية ويستحق “البطاقة”..
ونصل الآن إلى مضمون النبأ الذي قدمه الهدهد، لنلاحظ أنه يتكون من عدة عناصر مترابطة:
ـ (إني وجدت امرأة تملكهم). النمل الاية 23: أولا، حدد الهدهد طبيعة النظام السياسي في سبأ، وأشار إلى أنه نظام ملكي تحكمه امرأة، وهذا تحليل سياسي دقيق، يدل على وعي تام ببنية الحكم، كما أن فيه إشارة مهمة إلى أن وجود امرأة في رأس السلطة ليس محل إشكال لا في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل، بل هو من صميم واقع التاريخ.
ـ (وأوتيت من كل شيء) النمل الاية 23: الهدهد ذهب بعيدا في تقريره، وأحصى كل عناصر القوة لدى المملكة: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والدينية، والعسكرية، وتقريره كان كاملا متكاملا، متقنا، محيطا بكل عناصر الخبر، وهذا يدل على تمكنه من قواعد الكتابة الصحافية والاستخباراتية المعاصرة، ولم يترك للملك أي تساؤل أو غموض، ولم يترك فجوة معلوماتية في ذهن صاحب القرار، ولو فعل، لما اعتبر خبره “يقينا”.
ـ (ولها عرش عظيم). النمل الاية 23: بعد أن ذكر أن الملكة أوتيت من كل شيء، خص شيئا واحدا بالذكر لأهميته، وهنا يتجلى ما يعرف بـ “ذكر الخاص بعد العام”، حيث أراد الهدهد أن يلفت نظر الملك إلى “أهمية العرش”، وهو ما حدث فعلا، إذ قرر الملك استحضار العرش لاحقا، بناء على هذه المعلومة، فالإعلامي أو الجاسوس الجيد لا يكتفي برصد الواقع، بل يوجه السلطة لاتخاذ القرار بأمانة تامة، وهو جزء من عملية اتخاذ القرار الحكومي لأنه يمتلك المعلومة، والمعلومة سلطان.
ـ (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله). النمل الاية 24: الهدهد لم يغفل الجانب الديني في تقريره، بل قدمه بدقة مذهلة، لقد حدد العقيدة السائدة في مملكة سبأ: عبادة الشمس. وكان الهدهد مؤمنا موحدا، يعرف أن للكون إلها واحدا يجب التسليم له، وهذا يشير إلى أن الصحافي أو الجاسوس لا بد أن يكون ملما بالشأن الديني، باللاهوت، بالعقائد والمذاهب، وقادرا على التمييز بين التوحيد والانحراف، ولا يعذر أبدا في جهله بهذا الباب الجوهري.
ـ (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون).النمل الاية 24. النمل الاية 24: هذا تحليل سيكولوجي ولاهوتي عميق، ذلك أن الهدهد أدرك أن سبب انحراف مملكة سبأ يعود إلى “تزيين الشيطان”، أي أنه يعرف هذا الكائن، يعرف أساليبه، ويدرك تأثيره في سلوك البشر. وهذا يعني أيضا أن الهدهد على علم بعالم الغيب كما هو على علم بعالم الشهادة، فالجاسوس أو الصحافي الذي لا يعرف الشيطان وأعماله، لا يؤتمن على معلومة (الشيطان له تأثير في كتابة التقارير)، وإن كان يجهل الغيب أو ينكره، وجب سحب “بطاقته”.
ـ (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم). النمل الاية 25: الهدهد يعرف الله، يعرف أنه يخرج كل مستور، يعلم السر والعلن، وأنه رب العرش العظيم، أي أن عرشه أعظم من عرش الملكة (كيف عرف الهدهد أن عرش الله أعظم من عرش ملكة سبأ؟؟؟). وهذا دليل قاطع على أن الهدهد عارف بالله، وهنا نصل إلى الحقيقة التي لا يجب أن تغيب: الصحافي أو الجاسوس إن لم يكن عارفا بالله، فهو فاقد للرؤية، وجب إسقاطه من الصف المهني أو الاحترافي، لأن الاستخبار أو الاستنباء إذا لم يكن مؤطرا بفكر وثقافة ودين، فهو مجرد ضرب من التيه.
كان الهدهد أعظم رجل استخبارات في التاريخ، وكان أعظم إعلامي عرفه الزمان، لأن عمله، أو تقريره، لم يقتصر على الحصول على النبأ فحسب، وانما كان قادرا على تحليله تحليلا عميقا أحدث أثرا عظيما في عالم الشهادة: إسلام مملكة سبأ. وهذا هو “الاستنباء الرسالي”، وهذا هو “الإعلام الحقيقي”، ليس غايته الإثارة أو التشهير أو الإيقاع بين الناس، بل خدمـة الناس، ونصرة الحق، وصناعة التغيير.
قصة الهدهد مع سليمان، إذا قرأناها بعين المفكر الاستنبائي، وعقل الإعلامي الرسالي، ليست سردا قرآنيا، إنها وثيقة استراتيجية مشفرة تحمل خلاصات معرفية وأخلاقية وتنظيمية يمكن أن تغير نظرتنا للوظائف الحساسة في الدولة والمجتمع..