سيكولوجية التنميط وقصور الرؤية في التحليل السياسي: الصراع مع إيران وإسرائيل والغرب نموذجا

18 فبراير 2026

علي البلوي

تحول التحليل السياسي العربي تجاه ثلاثية (إيران، إسرائيل، الغرب) من كونه محاولة لفهم موازين القوى إلى حالة من “التعليب الذهني” المفرط، حيث يتم حقن العقل الجمعي بأنماط جاهزة تعطل حواسه النقدية.

هذا التنميط ليس مجرد تبسيط للأحداث، بل هو خديعة كبرى تجعل المحلل العربي يميل إلى “الاستسهال” عبر حصر الصراع في ثنائيات قطبية (عداء مطلق أو مسرحية متفق عليها)، مما يولد قصوراً استراتيجياً يعجز عن قراءة “المناطق الرمادية” التي تُدار فيها السياسة الدولية الحقيقية.

يرى خبراء التحليل السيكولوجي، وعلى رأسهم مصطفى حجازي، أن لجوء العقل العربي إلى هذه التفسيرات الأحادية هو “آلية دفاعية” ضد تعقيدات الواقع التي تشعره بالعجز.

فبدلاً من تفكيك أدوات القوة الحديثة كالأمن السيبراني، والحروب الهجينة، والتبادل الوظيفي للمصالح، يهرب العقل نحو “التفسير التبسيطي” الذي يريح الوعي من عناء البحث والتقصي.

هذا الترويض جعلنا نرى الصراع ككتلة صماء، بينما هو في الحقيقة شبكة معقدة من المصالح المتضاربة والمتداخلة في آن واحد.

وفي سياق التفكير العلمي والاستشرافي، يشير الفيلسوف غاستون باشلار إلى أن “المعرفة السابقة” هي أكبر عائق أمام الحقيقة.

في حالتنا هذه، تُعد الشعارات المعلبة (Slogans) هي تلك المعرفة التي تحجب الرؤية؛ فالمحلل الذي اعتاد “سماع” أن الغرب تابع لإسرائيل أو أن إيران عدو عقائدي لا يهادن، يصطدم بحائط القصور الاستراتيجي عندما يرى “تفاهمات تحت الطاولة” أو “إدارة مشتركة للأزمات”.

إن غياب الأدوات المنهجية جعلنا عاجزين عن إدراك أن الصراع بين هذه الأطراف ليس “مباراة صفرية” بالضرورة، بل قد يكون صراعاً “وظيفياً” يهدف إلى إعادة ترتيب المنطقة بعيداً عن أي فاعل عربي قوي.

ختاماً، إن الخروج من سجن التنميط يتطلب شجاعة معرفية لكسر الأنماط المحقونة في العقل. وكما يؤكد إدوارد كورنيش، فإن الاستشراف الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن رؤية المستقبل كمرآة للماضي.

إن فهم العلاقة بين إيران وإسرائيل والغرب مثلا يتطلب الانتقال من “ثقافة الصدى” إلى “ثقافة التفكيك”، حيث تُقرأ الأحداث بناءً على موازين القوى الواقعية والأدوات التكنولوجية والاقتصادية، لا بناءً على ما اعتدنا سماعه في أروقة التحليلات المعلبة والأيديولوجية التي لم تنتج سوى المزيد من التيه الاستراتيجي.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...