سلاح الماء.. الوجه الأخطر للحرب في الشرق الأوسط

23 مارس 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
دخل الماء، في الحرب الدائرة حاليا في الشرق الأوسط، دائرة الأهداف المهددة على نحو صريح، بعدما انتقل التصعيد من استهداف المواقع العسكرية والطاقة والممرات البحرية إلى التلويح بضرب محطات الكهرباء والتحلية والبنى المدنية التي تقوم عليها الحياة اليومية لملايين السكان.

وأظهرت الوقائع الميدانية والتهديدات المعلنة أن منشآت المياه، وخصوصا التحلية في الخليج، أصبحت جزء من حسابات الردع والضغط المتبادل.

وتعود خطورة هذا التحول إلى أن المنطقة من أكثر مناطق العالم هشاشة مائيا، حيث إن دول الخليج لا تملك سوى حصة محدودة جدا من المياه العذبة المتجددة، وتعتمد بدرجات مرتفعة على تحلية مياه البحر لتأمين الشرب والاستخدامات الحضرية والصناعية.

ووفق دراسة للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، فإن التحلية تؤمن نحو 42% من مياه الشرب في الإمارات، و90% في الكويت، و86% في عمان، و70% في السعودية، كما تشير معطيات حديثة إلى أن قطر تعتمد على التحلية في أكثر من 99% من مياه الشرب، فيما تظل البحرين شديدة الاعتماد على هذا المصدر أيضا.

أما في إسرائيل، فقد أصبحت التحلية ركنا مركزيا في الأمن المائي، إذ تفيد معطيات رسمية إسرائيلية وقراءات بحثية حديثة بأن المياه المحلاة تغطي ما بين 70 و80% من احتياجات الشرب، عبر محطات رئيسية على ساحل المتوسط، من بينها سوريك والخضيرة وعسقلان وبالماخيم وأشدود.

وهذا يعني أن استهداف البنية المائية، سواء في الخليج أو في إسرائيل يمس مباشرة الاستقرار السكاني، والقدرة على الصمود الحضري، واستمرارية المرافق الحيوية.

وقد بدأت هذه المخاوف تأخذ بعدا عمليا منذ أوائل مارس، عندما أعلنت إيران أن ضربة أمريكية استهدفت محطة تحلية في جزيرة قشم، ما أدى إلى انقطاع المياه عن نحو 30 قرية، في واقعة أثارت قلقا واسعا لأنها نقلت الحرب إلى أحد أكثر المرافق المدنية حساسية.

وأشار مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لاحقا إلى الحادثة بوصفها من الوقائع التي مست وصول السكان إلى الماء، في حين استخدمها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتأكيد على أن استهداف البنية المدنية للمياه “سابقة” لم تبدأها طهران.

ولم يبق الأمر عند حدود الاتهامات المتبادلة، إذ أعلنت البحرين بعد ذلك أن هجوما إيرانيا بطائرة مسيرة ألحق أضرارا بمحطة لتحلية مياه البحر، مع تسجيل إصابات بشرية، هذا التطور منح التهديد بعدا أكثر واقعية، لأن المنشآت التي كانت تذكر في التحليلات بوصفها أهدافا محتملة انتقلت إلى خانة الأهداف التي أصابها القصف بالفعل، ولو في نطاق محدود.

وجاءت القفزة الأخطر مع التهديدات الإيرانية الأخيرة عقب إنذار أمريكي لطهران بفتح مضيق هرمز تحت طائلة ضرب محطات الكهرباء الإيرانية، ولوحت طهران باستهداف منشآت الطاقة والمياه الحيوية في الخليج، في إطار رد انتقامي إذا نفذت التهديدات الأمريكية.

ويفسر هذا القلق أن محطات التحلية الخليجية تتركز غالبا على السواحل، ما يجعلها مكشوفة نسبيا للصواريخ والمسيرات والهجمات البحرية، في بيئة جغرافية مشبعة أصلا بالتوتر العسكري، إضافة إلى أن كثيرا منها مرتبط بمحطات كهرباء أو بشبكات نقل وتشغيل حساسة، بحيث لا يقتصر أثر الضربة على الماء وحده، بل يمتد إلى الطاقة والصحة والمستشفيات والتبريد والصناعة والخدمات البلدية.

لذلك فإن ضرب محطة أو اثنتين في دولة صغيرة المساحة وقليلة المخزون المائي يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة مدنية واسعة، تبدأ بالتقنين وتنتهي بالذعر وتعطل النشاط الاقتصادي.

وهذا تطور بالغ الخطورة، لأن المجتمعات تستطيع تحمل انقطاع جزئي للكهرباء أو تعطل مطار لفترة محدودة، لكنها تدخل منطقة الفوضى بسرعة أكبر عندما يمس الماء، خاصة في البيئات الصحراوية شديدة الحرارة والاعتماد على التحلية.

وسبق أن حذرت الأمم المتحدة من أن الهجمات على المرافق المدنية الحيوية، ومنها الماء والكهرباء، يمكن أن ترقى إلى انتهاكات خطيرة، لأن أثرها لا يقف عند حدود الهدف المادي، وإنما ينعكس على الحق في الحياة والصحة والغذاء والكرامة.

إضافة إلى أن الأثر البيئي في الخليج، وهو فضاء بحري شبه مغلق، قد يكون مدمرا إذا ترافقت الهجمات على التحلية مع تلوث نفطي أو كيميائي واسع، بما يعرقل إمكانات المعالجة السريعة ويزيد كلفة التعافي.

يبدو أن “سلاح الماء” أصبح عنوانا قائما لمستوى جديد من التصعيد، يجمع بين الردع والابتزاز والعقاب الجماعي في آن واحد، ومع أن جميع الأطراف تدرك أن ضرب محطات التحلية قد يفتح بابا يصعب إغلاقه، فإن منطق الحرب الدائر يدفع تدريجيا نحو ملامسة الخطوط الأشد حساسية.

وفي حال فشل الجهود الدبلوماسية في كبح هذا المسار، فإن الشرق الأوسط قد يواجه مرحلة يصبح فيها الماء، لا النفط فقط، أحد أخطر ميادين الصراع، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية واستراتيجية تتجاوز حدود المنطقة إلى العالم كله.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...