
محمد التهامي الحراق
نحن مقبلون على شهر رمضان المبارك…وهي سنحة استثنائية للمسلمين كي يغيروا ليس فقط من عاداتهم في الأكل والشرب والنوم وتنظيم حيواتهم اليومية، وليس فقط للقيام بشعيرة الصيام ومقتضيات التنسك والعبادة والصلاة وتلاوة القرآن؛ ولكنها سنحة لإحياء شعيرة التفكر، وعقد مجالس للتفكر. لقد كان أجدادنا يعقدون في هذا الشهر الكريم مجالس لتدبر القرآن الكريم، وأخرى لسرد صحيح البخاري، وغيرها لمدارسة علوم القرآن.
وما أحوجنا اليوم للاقتداء بهم وتوهيج شعيرة التفكر في شهر رمضان؛ وخصوصا التفكر في القرآن الكريم بمحاورته ومساءلته ومدارسته في ضوء انشغالات المسلم هنا والآن. تدبر القرآن الكريم فرادى وجماعات في هذا الزمن الكريم أجلى مظاهر شعيرة التفكر خلال هذا الشهر.
يروي لنا عبد الله بن عباس أن رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كان “أجودَ النَّاسِ، وَكانَ أجودَ ما يَكونُ في رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُ، وَكانَ جبريلُ يلقاهُ في كلِّ ليلةٍ من شَهرِ رمضانَ فيدارسُهُ القرآنَ، قالَ كانَ رسولُ اللَّهِ حينَ يلقاهُ جبريلُ عليْهِ السَّلامُ أجودَ بالخيرِ منَ الرِّيحِ المرسلَةِ”.
وما أعمق الصلة الظاهرة والضامرة هنا بين الجود الحسي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر والجود المعنوي الماثل في مدارسة القرآن، وهي صلة التفت إليها وتحقق بها العارفون، فهذا أبو العباس السبتي صاحب مذهب العطاء والصدقة والجود، كان أيضا متحققا بهذا الجود المعنوي، حيث كان من فتوحه أنه يكشف العلائق الخفية بين الآيات القرآنية التي يخفى سر تجاورها على العقول، وهو ما جعل الشيخ محيي الدين ابن العربي يدرجه في “أصحاب الموازين” الذين أوتوا هذا الفتح في الفهم في القرآن الكريم، وكشف الموازين الخفية بين الآيات التي قد يبدو للعقول القاصرة تنافرها وتباعدها الدلالي في الظاهر.
ها هنا يلتقي في مذهب أبي العباس السبتي الجودان؛ جود العطاء وجود فهم القرآن؛ وهما مستمَدَّان من تحقق المصطفى صلى الله عليه وسلم بهما في رمضان. لذا، قلت علينا إحياء شعيرة التفكر في هذا الشهر الكريم؛ لنظفر بالجودين، جودِ الحسِ وجود المعنى؛ ونفوز بالأجرين، ونفرح بالفرحتين: فرحةِ المعرفة إلى جانب فرحة الإفطار؛ وفرحة المعرفة في هذا الشهر ليست في مغزاها الأقصى سوى الفرحة بلقاء الله بالترقي في معرفته؛ ننظر في هذا المعنى الإشاري لقول النبي الكريم في الحديث:”للصائم فرحتان؛ فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه”؛ ولقاء الله بهذا المعنى ثمرة من ثمرات شعيرة التفكر، قال تعالى: “قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ”.
وبذلك نجمع أيضا في هذا الشهر الكريم بين قيام الصلاة وقيام التفكر؛ وكلاهما لقاء بالله، الأول لقاء بالروح، والثاني بالعقل، الأول بالذكر والثاني بالفكر؛ وهو شأن الأخيار من أولي الألباب؛ قال تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار”.
فلنجعل من هذا الشهر مدرسة لتجديد إيماننا من خلال التفكر، وتجديد صلتنا القرآنية من خلال التدبر؛ حتى ننقذ صيامنا من الوقوع في شَرَك الاستهلاكية والطقوسية؛ حيث ضياع أجْرَي جود الحس والمعنى؛ وحيث إفقار شعيرة الصيام العظيمة من كل معنى.
المصدر : https://dinpresse.net/?p=23710