رمضان رحل أم نحن الراحلون؟
د. صلاح الدين المراكشي
إمام وخطيب مؤطّر ديني بفرنسا
ما أشبه اليوم بالأمس، وما أقرب العِبرة لمن أحسن التأمل؛ فالعاقل من اتّعظ بماضيه، واجتهد في حاضره، واستعدّ لغده، امتثالاً لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) [الحشر: 18].
فبالأمس القريب كنا نترقب دخول شهر رمضان بشوق، وها هو قد رحل عنا منذ أيام، حاملاً معه صحائف أعمالنا، شاهداً لنا أو علينا بما أودعنا فيه من طاعات أو تقصير.
رمضان ليس شهراً عابراً في روزنامة الأيام، بل هو محطة إيمانية عظيمة، تتجدد فيها الصلة بالله، وتتسع فيها ميادين الخير. ومع رحيله يبرز سؤال جوهري: من هم المقبولون الذين يُهنَّؤون، ومن هم المحرومون الذين يُعزَّون على فوات الفرصة؟
وقد قرر أهل العلم أن من علامات قبول العمل أن تُتبَع الحسنةُ بالحسنة، وهو ميزان دقيق لقياس أثر رمضان في النفوس. فهل تغيّرت سلوكياتنا؟ هل ازدادت صلاتنا، وعمرت أوقاتنا بتلاوة القرآن، وانطلقت أيدينا بالبذل والإحسان؟ أم بقينا على حالنا كما كنا قبل رمضان؟
إن رمضان شهر التغيير والإصلاح، تُصفّى فيه القلوب من الأحقاد، وتُغرس فيه بذور التقوى. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التديّن المؤقت، بل في الثبات والاستمرار. فكم من إنسان أشرق قلبه في رمضان، واستقام سلوكه، فهل سيحافظ على هذا النور بعد انقضائه؟
لقد ذاق كثيرون لذة قيام الليل، واستشعروا سكينة الركعات الطويلة، وتسابقوا في الصدقات، اقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود ما يكون في رمضان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يستمر هذا العطاء بعد رمضان، أم يخبو بانتهائه؟
لقد حذّر السلف من اختزال العبادة في موسم دون آخر؛ فقد سُئل بشر الحافي عن قومٍ يجتهدون في رمضان، فإذا انقضى تركوا العبادة، فقال: «بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان» (لطائف المعارف، ص 222). وهي كلمة تختصر المعنى: العبادة ليست حالة موسمية، بل منهج حياة دائم.
ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً) [النحل: 92]، في تحذير بليغ من التراجع بعد التقدم. كما يرسّخ مبدأ الاستمرارية في قوله سبحانه: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر: 99]، وقد فُسِّر اليقين بالموت أو قيام الساعة.
وفي ختام هذا الشهر المبارك، تبقى الدعوة مفتوحة لمحاسبة النفس، وترسيخ ما تحقق من مكاسب إيمانية، حتى لا يكون رمضان محطة عابرة، بل نقطة انطلاق نحو حياة أكثر قرباً من الله وثباتاً على الطاعة.
نسأل الله أن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يعيننا على دوام الطاعة، وأن يرزقنا حسن الختام. اللهم ءامين
التعليقات