3 أبريل 2025 / 14:17

رئيس المجلس العلمي لطانطان يكتب: الدين في الفضاء العام.. تأملات في الخروج لمصلى العيد

عبد الخالق حسين ـ رئيس المجلس العلمي لطانطان
1- تبدو نصيحة العارف بالله سيدي عبد السلام بن مشيش قدس الله سره؛ لمريده العلامة سيدي أبو الحسن الشاذلي؛ دالة في سياق مقالتي هذه حول الدين في الفضاء العام؛ حيث اوصاه بكلمات قليلة لكنها تلخص فلسفات ثلاثة و مقولات ذائعة في مجال ( الكد الإنساني وراء الحقيقة) أوصاه قائلا :” من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن دلك على العمل فقد اتعبك، ومن دلك على الله فقد نصحك”..

في البداية ينبغي التعامل مع الثيمات الصوفية في لغة اهل الله بحذر معرفي ومنهجي شديدين: فالثيمات الثلاثة وهي : “الدنيا” و “العمل” و “الله” ؛ ليست منعزلة و متنافرة؛ كما يظن العقل التحليلي الفلسفي الغربي الذي ينظر الى الحياة و مكوناتها بنظرة التخصص و الفصل..

فالدنيا هنا ؛ هي مرادف للغفلة ..والعمل هنا مرادف للتقنية، و الله جل جلاله إشارة للتسليم.. فالدلالة على الله هي الهداية الموجهة للنفس في عملها في معترك الدنيا؛ فالفضاء العام لله ومن الله و الى الله ..

وإذا شئنا أن نقدم فرشا لمفهوم الدين عند اصحاب البراديغمات الثلاثة، بعد تجريد لغاتهم التحليلية من كثير من الطفيليات و التخرصات اللغوية الاستعراضية؛ فسوف نصرح بكون الفلسفة المبنية على الدنيا هي الوجودية بكل اشكالها.. والفلسفة المبنية على العمل هي الماركسية بكل درجاتها.. و الفلسفة المبنية على الله هي التوحيدية و كل انحرافاتها و تحريفاتها و زياداتها من مثاليات و أصوليات منبثقة عنها..

غير انه لابد من الاشارة قبل الحديث عن الدين في الفضاء العام الى أن النسخة الخالصة للتوحيد و الوحدانية هي النسخة المتأسسة على القرآن الكريم لأسباب يمكن إجمالها في ثلاثة:

ـ حفظه من التحريف
ـ تضمنه لآيات أم الكتاب المؤطرة لغيرها
ـ اضماره لروحانية سارية في قلوب المؤمنين به وهي ما يطلق عليها ” الهداية” او الإلهام ..

ولهذا فمقالتي تحرر مفهوم الدين ابتداء من الظلال و التبعات المفاهيمية للفلسفة الغربية ؛ وأقصد بالدين هنا نسخته القرآنية الناجية من التحريف و الشرك.. والفضاء العام في مقالتي هو المجال الإجتماعي الذي يعبر فيه المؤمنون عن الأخلاقيات المتسامية..

2- وفي سياق الحديث عن الدين في الفضاء العام؛ يتمركز “المسجد” كأحد أهم الفضاءات العامة المفتوحة للناس؛ وهو مجال لاخذ الزينة و الخروج للصلاة و تلاوة القرآن و تزكية النفس و تلقي العلم و التعبير عن الجماعة و اداء واجب التعارف والتضامن و الوحدة بين قلوب المسلمين..

ولكن تبقى (مصلى العيد) المجال و الفضاء الاكثر تعبيرا عن حضور الدين في المجال العام؛ أقصد فضاء المدينة الذي يستقبل الجميع بدون تمييز؛ وذلك للاعتبارات الاتية:

ـ الخروج الشامل للمواطنين؛
ـ نفسية الابتهاج و السرور المصاحبة للخروج؛
ـ التقاء الخروج الشعبي مع الخروج الرسمي لرموز الدولة وكذا الاعيان و ممثلي الناس دستوريا..

3- لقد كتب فلاسفة الغرب و مفكروه عن دلالات و حدود و تجليات الدين في الفصاء العام؛ وحاولوا تقدير هذا الخروج اتساعا و انكماشا.. و غالب آرائهم كانت تحكمها نظرة “عقلانية وضعية” تنظر إلى الدين على أنه (بقايا موروثاث اسطورية خرافية) تتفسخ و تتلاشى مع تعميم التفكير العقلاني و مظاهر الحداثة..

غير ان هذه النظرة تعاني من تحيزات غير بريئة وغير موضوعية بتعبير المفكر عبد الوهاب المسيري؛ راجعة الى النظرة المعادية للدين منذ القرن الثامن عشر و التي سادت اوروبا لأسباب يعرف الجميع انها خاصة بالتجربة اليهو-مسيحية في سياق الصراعات الايديولوجية الغربية.. غير انه لابد من التعامل مع الفضاء العام عندنا من خلال ملاحظتنا “نحن” و درايتنا “نحن” و تجاربنا “نحن” وخصوصيتنا “نحن”..

فمناسبة العيد عندنا؛ هي التعبير الصادق عن اجتماعية تعاليم الاسلام؛ وخروج تعاليمه الى الفضاء العام؛ و عدم انحصار التدين في مجال الخصوصية الفردية و الشان الشخصي وذلك للاعتبارات التالية:
ـ العيد لحظة صلة رحم
ـ العيد لحظة عفو و تسامح مع الاخر
ـ العيد خروج واجب الى المصلى للمشاركة في ( الصلاة و الاستماع للعلم)
ـ العيد لحظة تصدق بزكاة الفطر او باي شكل من العطاء..

إن هذه التجليات تجعل من لحظة المصلى اكبر من لحظة ( اتصال مع السماء) بل هي فعل و انجاز على الارض؛ وعندما نقول الارض فنحن نقصد ” ما ينفع أهل الارض” من الخير والمعروف البر و السلام و التسامح والتضامن.. و كلها مفاهيم ذات عمق اجتماعي انساني في العمق..

4- إن الفضاء العام في علاقته بالدين كما ذهب الفيلسوف “يورغن هابرماس” هو المجال الذي سوف تنتصر فيه العقلانية والحداثة و سوف يستغنى فيه عن الامال الدينية و الوعود الروحية؛ و الخدمات التي تقدمها النصوص الدينية .. بمعنى آخر سوف ينضج المواطن العقلاني الى درجة سوف يصبح التدين عائقا للتنمية وليس حلا و داعما من دعاماتها.. و يدعي “يورغن هابرماس” بكل تبجح غير علمي أن التدين سوف ينسحب بسلام من الفضاء العام فاسحا المجال للعقيدة العلمية و العقلانية و العلموية..

5- غير أن الملاحظة الدقيقة ؛ و التي تسندها الحقائق السوسيولوجية هو أن (روح المصلى) سوف تساهم في تفكيك نزعة الهيمنة الرأسمالية الجشعة التي تملأ القلب المهوس و المجنون بقانون الربح السريع و اللاانساني؛ فمادام الخروج الى المصلى يسع الصغير والكبير و الذكر والانثى و “الحر” و “العبد” كما في زكاة الفطر؛ و أشدد على “مصطلح العبد” و جغرافية المصطلح الفلسفية و الاجتماعية و الاقتصادية؛ فمعلوم أن عددا فلاسفة الاقتصاد والاجتماع يذهبون إلى أن الرق والعبودية متحققة في الزمن الرأسمالي المعاصر باشكال عصرية و ملطفة ولنقل (عبودية ناعمة) وهذا ما جعلهم يطلقون على الدعارة المنظمة مصطلح ( الرقيق الابيض)..

إن “المصلى” مجال يجمع العامل البسيط جدا و رجل الاعمال؛ و صاحب المعمل و مسير الشركة وعامل النظافة؛ و الجميع يدخل الى “فضاء المصلى” متصافحا و متعانقا؛ و يجلس الجميع على الارض متوجهين الى الله، والى قبلة الله، و الى بيت الله الحرام، ليستمعوا الى ايات الله و تعاليم الله و حدود الله.. سوف تساهم المصلى في تخليق الحداثة بتمظهراتها الاجتماعية و الإقتصادية..

6- إن المصلى باعتبارها فضاء عاما؛ تصبح فضاء اخلاقيا بامتياز؛ خصوصا اذا موقعنا المصلى في مقابل فضاءات أخرى؛ مثل مقر الشركة او المؤسسة البنكية او البرج التجاري حيث تسود العلاقات الباردة و الحسابية والرياضية.. و تضمر العاطفة و التعاطف؛ وحيث الارقام و الصفقات المحايدة انسانيا هي ” الإلاه” والربح هو العقيدة ..

سيبقى مفهوم الفضاء العام في التجربة المدنية الاسلامية غيره في التجارب الحضارية الاخرى خصوصا في التجربة الغربية؛ وسيبقى “الانموذج المغربي” الاكثر والاعمق تعبيرا عن الخصوصية والتميز؛ فالفضاء العام المغربي يؤلف بين مفردات التطلعات الانسانية في : الرجوع للطبيعة؛ والنظر الى السماء في فضاء بلا سقف؛ و الدخول في الافواج البشرية كتعبير عن ذوبان الانا في الناس( ثم افيضوا من حيث افاض الناس)؛ بالاضافة الى التحية والسلام على من عرفت ومن لم تعرف؛ و بسط اليد بالزكاة و العطاء كتعبير عن التضامن؛ و الجلوس على الارض والتراب الطاهر؛ لان المصلى ليست هي المسجد الذي هو في الاصل مكان مفروش؛ وللجلوس على التراب معاني اهمها التواضع ( ولاتمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا)؛ و النظر الى القبلة بماهي بيت الله و ارادة وجه الله.. و اتباع الإمام و عدم التقدم عليه او الذبح قبله او تأخير الزكاة عن وقت صلاته و خطبته في اشارة الى المواطنة المنضبطة وراء ( اولي الأمر ) و السلطان رمز ( الشرعية الروحيةو الدستورية )..

7- سوف تساهم “روح المصلى” في تفكيك نزعة الأخلاق الراسمالية التي تملأ القلب المهوس و المجنون بقانون الربح السريع و اللاانساني؛ فمادام الخروج الى المصلى يسع الذكر والانثى و الحر والعبد كما في زكاة الفطر و أشدد على “كلمة العبد” و جغرافيتها الفلسفية و الاجتماعية و الاقتصادية؛ فقد طرح اكثر من واحد من فلاسفة الاقتصاد المعاصرين أن العبودية متحققة في الزمن الرأسمالي المعاصر باشكال “عصرية و ملطفة” ولنقل بتعبير آخر (عبودية ناعمة)..

إن المصلى مجال يجمع العامل البسيط جدا و رجل الاعمال و صاحب المعمل و مسير الشركة و الجميع يدخل الى فضاء المصلى متصافحا و متعانقا و يجلس على الارض متوجها الى الله والى قبلة الله و الى بيت الله الحرام ليستمع الى ايات الله و تعاليم الله و حدود الله..

إن الفضاء العام يصبح فضاء اخلاقيا بامتياز؛ خصوصا اذا موقعنا المصلى في مقابل فضاء مقر الشركة او المؤسسة البنكية او البرج التجاري حيث العلاقات الباردة و الحسابية والرياضية و ضمور العاطفة و التعاطف؛ حيث الارقام و الصفقات المحايدة انسانيا هي ” الإلاه” ..

8- سيبقى مفهوم الفضاء العام في التجربة المدنية الاسلامية غيره في التجارب الحضارية الاخرى خصوصا في التجربة الغربية؛ وسيبقى الانموذج المغربي الاكثر والاعمق تعبيرا عن الخصوصية والتميز؛ فالفضاء العام المغربي يؤلف بين مفردات التطلعات الانسانية في : الرجوع للطبيعة؛ والنظر الى السماء في فضاء بلا سقف؛ و الدخول في الافواج البشرية كتعبير عن ذوبان الانا في الناس( ثم افيضوا من حيث افاض الناس)؛ بالاضافة الى التحية و السلام على من عرفت ومن لم تعرف؛ و بسط اليد بالزكاة و العطاء كتعبير عن التضامن؛ و الجلوس على الارض لان المصلى ليست هي المسجد الذي هو في الاصل مكان مفروش؛ وللجلوس على التراب معاني اهمها التواضع( ولاتمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا)؛ و النظر الى القبلة بماهي بيت الله و ارادة وجه الله؛ و اتباع الإمام و عدم التقدم عليه او الذبح قبله او تأخير الزكاة عن وقت صلاته و خطبته في اشارة الى المواطنة المنضبطة وراء ( اولي الأمر ) و السلطان رمز ( الشرعية الروحيةو الدستورية )..

9- لقد حاولت التجربة الغربية ان تحاصر الدين و تقلل من فعله و فاعليته في “الفضاء العام” استنادا الى براديغمات فلسفية تدعي تقديم قراءة علمية للدين و تطور التدين في المجتمعات والحضارات؛ حيث ادعى كارل ماركس بأن التدين هروب من مواجهة حقائق الاستغلال الاقتصادي المؤلم.. وادعى “سيغموند فرويد” ان التدين مظهر لمعاناة “الانا” بين غرائز اللاوعي و بين ضغوط شهوات المجتمع و الواقع..

وادعى “ماكس فيبر” بأن الدين يقدم نظرة سحرية طلاسمية للواقع، سرعان ما ينسفها التفكير العقلاني.. و ادعى “ادوارد تايلر” بأن الدين والتدين عبارة عن( بقايا) survivals ؛ تشبه “اللقى الجيولوجية” او التحف التي عثر عليها في الحفريات ؛ و التي لا تصلح للاستعمال المعاصر رغم أهميتها !! تبدو هذه النظريات الدينية المحاولة لفهم الظاهرة الدينية “صحيحة” ولكن في سياق التجربة المسيحية و اليهودية أي ضمن سياق الحضارة الغربية؛ حيث استعمل الدين والكتاب المقدس في شل و تحريم التفكير و الاجتهاد و محاربة العلماء بل واحراقهم؛ و نشر ثقافة صكوك الغفران و سرقة اموال الناس باسم الله وهو ما يسجله القرآن الكريم في قوله تعالى : ( إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله).. ولهذا كانت كل مقاربات المفكرين الغربيين لموضوع “الفضاء العمومي” تتوجس وتتخوف من عودة مظاهر التدين أو رموزه أو تعبيراته أو مصطلحاته الى الفضاء الاجتماعي المشترك ؛ و الذي ينبغي أن يبقى معانقا للحرية و بعيدا أن كل أشكال التعبيرات المحيلة على المطلق و الميتافريزيقا..

10- غير أن الامر مفارق تماما لتجرلتنا و غريب عن خصوصيتنا ؛ ففي تجربتنا الاسلامية؛ كان ابن رشد الفيلسوف والفقيه يخرج الى المصلى لأداء صلاة العيد و لا يتحرج من ملاقاة الناس و معانقة الناس و إن اقتضى الأمر مناقشة الناس !! ؛ فالفلسفة والتفكير العقلاني عندنا كلاهما ساجدان لله !!

والطواف حول الكعبة و – هي الفضاء العام الانساني الاوسع في الاسلام – يتزاحم فيه السياسي و الاقتصادي و الذكر والانثى و الغني والفقير؛ فلا مجال للنظرة الاقصائية او الاستعلائية أو الطبقية.. و شهادة “مالكوم اكس” دالة في هذا السياق؛ فهو المواطن الأمريكي الأسود ابن فترة الستينيات في الولايات المتحدة الامريكية المليئة بالشد والجذب العنصريين؛ فقد أصيب “مالكوم” بالصدمة؛ عندما حج لاول مرة بعد اعتناقه الاسلام؛ ودخل المسجد الحرام و شاهد الانسان الاسود بجانب الانسان الابيض يطوفان حول الكعبة !!.. لم يستوعب عقله كيف يقع هذا؛ وقد تربى في مجتمع امريكي حداثي بخلفية دينية مسيحية يفصل فيه بكل تمييز عرقي وعنصرية مقيتة بين فضاءات عيش و اشتغال المواطنين السود و فضاءات المواطنين البيض..

نعم سيبقى الفضاء العام في التجربة الاسلامية؛ و خاصة التجربة “الدينية المغربية” فضاء اخلاقيا بامتياز؛ يخرج الانسان فيه من أنانيته و فردانيته وعزلته التي قد تكون “مائة سنة” نفسية بتعبير ماركوز؛ يخرجه فضاء المصلى للاندماج في الناس، تخرجه المصلى الى المجتمع للاعتراف به و التضامن معه و مبادلته الحب و الاحترام..

11- سيبقى فضاء “مصلى العيد” تلك الذكرى و النوستالجيا التي كبرنا فيها؛ و عشناها فيها.. كنا و نحن صغار؛ نشتري لباسنا الجديد ؛و نضعه قرب رؤوسنا او تحت ويادتنا؛ لنعيش ليلة ارق بلا نوم من شدة الفرح و حرقة الانتظار ؛ننتظر صباح العيد لنقبل رأس امهاتنا وابائنا ،و نلبس جديدنا ،و نحمل سجادتنا ،و نطير بدريهمات في اكفنا ندق ابواب جيراننا ،فنتوجه جماعات الى فضاء المصلى ، نصافح في طريقنا عشرات الاصدقاء والغرباء؛ و نخيط مزهوين باقدامنا أزقة المدينة التي كنا نخاف ان نلجه طول السنة؛ وها هو العيد ؛و ها هي المصلى توطئ لنا الطريق لنسلك كل فج في المدينة بأمن وأمان و حبور وسرور..

تبدو المصلى تكثيفا للحظات عمرنا؛ ففيها الوجود والتواجد و الاعتراف و السلام و الوطن والوحدة و القبلة و الطبيعة و الجماعة و الأمة و الدعاء لأمير المؤمنين.. المدينة كلها تجتمع في المصلى.. ساحة المصلى تسع الجميع..روحانية المصلى تغشى الجميع ..

“مصلى العيد تفرح بأهل المدينة”. هذه الجملة وحدها؛ كافية لننتج آلاف الدراسات عن المفهوم الجديد للفضاء العام الذي ينبغي ان ننظر له،و نبشر به العالم كله؛ مفهوم: (مصلى العيد تفرح بأهل المدينة)..

إنني اتهم متأسفا بان مفكرينا و فلاسفتنا ؛ إن لم أقل مخرجي السينما و كل الفنون عندنا ؛ بأنهم قصروا كثيرا في خدمة و التنظير ( لخصوصيتنا و لهويتنا ) و”لكوجيطونا” المغربي الخاص والفريد جدا ..

12- ماهذا الجمال والجلال الذي يجعلني أخرج من بيتي ممسكا يد ابنائي و برفقة زوجتي وانا في أحسن لبس و اطيب عطر و سجادتي على كتفي( مرفوع العدهامة امشي) اوزع السلام والابتسامة على كل العالم ؛ واوزع الدريهات على كل سائل ؛ واوزع الشكر على كل شدرجل امن يقف منضبطا على طول مسالك المصلى؛ وزوجتي تسلم على هذه وتلك من صويحباتها وجاراتها؛ مشهد من مشاهد تحرير المرأة المغربية بلا عقد و تخرصات فكر التزمت و الاختلاط؛ نصل المصلى فنأخد مكاننا في قبلة المصلى و تتجه النساء بكل ادب الى الجهة المقابلة؛ نظام لا تسهر عليه لجان و لا منظمين؛ تربية تشربها كل مغربي مغربية من أصول الحشمة و “الصواب”..

13- وككل رؤساء المجالس العلمية بالمملكة؛ فقد اجتمعنا بعد “صلاة الفجر” في اقامة السيد عامل صاحب الجلالة كما يقتضي البروتوكول؛ واستقبل السيد العامل الضيوف بترحيب عائلي و عبارات مزهرة و موائد من الطيبات تشبه أي مائدة بيت مغربي: حساء و ثمر وشاي و زيت زيتون و حلويات و فطائر منوعة.. وضم الوفد تشكيلات امنية و عسكرية و ادارية و ممثلي الامة من المنتخبين.. تعانق الجميع و تناولنا الفطور جماعة في اشارة عميقة الى أن “دار المخزن” مفتوحة و مرحبة بالناس جميعا؛ فرمزية استقبال العامل للوفد الرسمي في عمقها استقبال وترحيب بمكل مواطن في المدينة..

فكل مدعو من الوفد ؛ يمثل في الحقيقة شريحة اجتماعية.. قبيل وقت الصلاة بربع ساعة يخرج الموكب الرسمي يشق الطريق نحو المصلى ؛ يؤدي الجميع الصلاة وسط التكبيرات المرفوعة من المؤمنين؛ وبعد الصلاة والاستماع للخطبة؛ يصافح الجميع الجميع؛ و تذوب الحدود بين الرئيس والمرؤوس؛ و بين الناخب والمنتخب؛ وبين الاستاذ والتلميذ؛ وببن الفقي والغني؛ وكذا بين السيد العامل و السيد المياوم.

14- كنت أصلي في المصلى برفقة والدي منذ صغري أي منذ سنة 1979 ؛ وانا في القسم الابتدائي؛ وسوف استحضر هذه النوستالجيا؛ واشارككم هذه المشاعر الآن:

أ – الخروج الى المصلى كل سنة ينقش في النفس شعورا بوجود ” الثابت” في الحياة؛ فهناك لحظات جميلة متكررة تؤبد الشعور الجميل “بالمعنى” بالمفهوم الذي نظر له المفكر و الطبيب النفسي “فيكتور فرانكلين” ضحية النازية في كتابه ( الإنسان يبحث عن المعنى).. فالمعنى هو أساس قوة الشخصية و به يواجه الانسان ( المفاجآت المؤلمة) التي يسميها القرآن الكريم ” الفتن”” المصيب”.. إن الخروج الى المصلى ينقش في نفسية الطفل والشاب ذكريات ” النضج و المسؤولية و الحياء والرحم والمشاركة و الوطنية”..

ب – الخروج إلى المصلى علاج للنفس من داء الانطوائية و الانعزال القاتل؛ كثيرا ما ينفرد الشيطان ووساوسه بالفرد؛ فيضيق عليه الحياة و يغرقه في دروب التخيلات الرديئة؛ و يخنقه في اهتماماته الصغيرة و هلاوسه الوهمية.. لكن “الخروج الى المصلى” يعيد للانسان أفقه الانساني الفسيح؛ وانتماءه الاجتماعي الراسخ؛ فهو يشاهد في طريقه القاصد للمصلى الطفل الصغير و الشيخ المتكأ على عكازه؛ و المحروم من المشي مدفوعا بكرسيه المتحرك؛ و الاعمى يقوده ابنه والأسرة المجتمعة حول الوالد.. فيعيد النظر في جدوى تدمره وشكواه؛ ويكتشف بحر الاوهام الذي يبتلعه؛ فيكون فضاء المصلى “مصحة نفسية” تعيد اليه ثقته بنفسه و عنفوانه الروحي وتوازنه النفسي..

ج – منذ الصغر ونحن مشدودون الى لحظة حلول “السيد العامل” الى المصلى.. كانت هذه اللحظة بما هو ممثل للسلطان؛ كانت تحمل رمزية الجلال و التوقير و الاحترام والأمان؛ ولذلك كنا نحاول ان نصلي في الصفوف الامامية لنشهد ونشاهد لحظة وصول العامل عن قرب و بلا تشويش.. وكانت رؤية ممثل السلطان في المصلى “لا كغيرها” من انواع الرؤية؛ فمقام الصلاة و اللباس الابيض و الطربوش الاحمر يسبل على المشهد هيبة وروحانية؛ تمتزج فيها لحظات التاريخ الغابر ،و قيم الدين ،و تقاليد السلطان، و استمرارية الامبراطورية، و تجديد البيعة لأسباط سيدنا رسول الله.. فالحضور الرمزي للعامل و الدعاء لامير المؤمنين في المصلى يعمق في النفس و الوجدان الحضور الفعلي للحضرة الشريفة منذ بناء مسجد قباء مرورا ببيعة مولانا ادريس ؛ مرورا بمولانا علي الشريف و بلوغا لمولانا محمدا السادس اعزه الله..

15- واليوم و قد قدر الله أن أخرج ضمن الوفد الرسمي الى المصلى أحب أن أنقل الى من يقرأ هذه الكلمات النابعة من القلب هذه المعاني التي قد لا تجد من يبوح بها: يود عامل صاحب الجلالة عن الاقليم – تعمدت ذكر هذه الصفة المنسوخة قانونيا- يود لو يستقبل في اقامته/ دار المخزن؛ كل مواطن لوحده؛ ويستمع له وجها لوجه.. ولكن الجميع يعلم استحالة ذلك؛ حتى من طرف مسؤول في ادارة محدود عدد العاملين بها .. ولهذا أسست النظم المعاصرة مايسمى (بالمؤسسات) لتتوزع مسؤولية الاستماع وقضاء الحوائج على عدد من المسؤولين؛ ويتميز الاستماع بالجدية و التنفيذ و الإسراع..

ولكن صدقوني فمؤسسة العامل تتابع هموم الناس بكثير من الأبوة و المسؤولية و الحزم.. وخروج العامل الى المصلى واستماعه للوعظ و الخطبة بين الناس هو إشارة الى أن الامر بالمعروف و النهي عن المنكر والقيام بواجب الحسبة هو اولى الاوليات عند السلطان..

17- وفي الأخير؛ هاهو الفكر الديني المغربي؛ يبدع مرة أخرى “بنحته و إخراجه و تنزيله” لخطة تسديد التبليغ المرعية ابتداء وانتهاء من مولانا أمير المؤمنين أعزه الله ؛ وهي الخطة المبنية على فلسفة دينية تجعل الخطاب الديني والاجتهاد الديني و الفعل الديني والفضاء الديني؛ مساهما في تعميم قيم الخير و الجمال و النفع و المعروف و السلام؛ و جعل الدين شفاء و رحمة للناس؛ و توسيع مساحة الحياة الطيبة و المساهمة في التخفيف من عنت وعسر وضيق وغم وهم ” الحياة المعاصرة”..