رأي: عقيدة “الاستنزاف” الإيرانية في مواجهة “مقامرة” ترامب المحسوبة.
علي البلاونة
تعتمد طهران في إدارتها لملف المفاوضات مع واشنطن استراتيجية دقيقة تقوم على امتصاص زخم الضغوط الأمريكية عبر استنزاف “الزمن السياسي”، فبدلاً من التصادم المباشر مع سقف المطالب المرتفع، تمارس تكتيك التشتيت المرحلي لإطالة أمد الحوار، مراهنةً على تآكل الحشد الدولي وخفوت نبرة التهديدات العسكرية بمرور الوقت.
ولا تقتصر هذه المقاربة على المماطلة فحسب، بل تمتد لإعادة تشكيل إطار التفاوض نفسه عبر إقحام قضايا مستحدثة تتجاوز محددات الجولات الأولى، فكلما اقتربت النقاط من عتبة الحسم، تعمد طهران إلى إدخال ملفات فرعية واشتراطات معقدة تؤدي إلى إرباك جدول الأعمال وتشتيت التركيز الأمريكي بين مسارات متعددة.
وفي هذا السياق، تقدم إيران تنازلات متشابكة تبدو مغرية للمفاوض الأمريكي، لكنها تظل مرتبطة بملفات سيادية وحساسة تجعل قبولها أمرأ مستحيلاً، مما يدخل واشنطن في دوامة مفرغة.
إلا أن المفارقة تكمن في أن المفاوض الأمريكي الحالي (ترامب وفريقه) يتبنى عقلية “التاجر والمقامر” الذي يجيد قراءة ألاعيب التفاوض، مما يجعل التكتيكات الإيرانية مكشوفة ومجردة من فاعليتها التقليدية.
ويهدف هذا النهج الإيراني المزدوج إلى تفتيت الضغط الأمريكي المركز وتحويله إلى ضغط موزع، مع اختبار تماسك الجبهة الداخلية الأمريكية وارتباط قرارها بإيقاع الاستحقاقات الانتخابية.
في المقابل، يمتلك ترامب تكتيكاً مضاداً يقوم على مخاطبة الرأي العام الغربي بأن الإدارة استنفدت كافة الخيارات الدبلوماسية، ليضع إيران أمام خيارين أحلاهما مر: إما التنازل الشامل أو الحرب كخاتمة حتمية لسلسلة المفاوضات، محققاً بذلك مكاسب انتخابية وتفاوضية في آن واحد.
وبينما تسعى إيران لنقل المعركة من “الضغط الحاسم” إلى “الاستنزاف الطويل” ليصبح الزمن سلاحاً استراتيجياً، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة؛ فإما القبول بمفاوضات ممتدة تُضعف أوراق قوتها تدريجياً، أو التصعيد لإعادة فرض إيقاع سريع يحمي الردع من التآكل.
وبذلك، تظل طهران تتعامل مع التفاوض كأداة لإعادة توزيع موازين القوى، بينما تراهن إدارة ترامب على تحقيق “الحسنيين”: انتصار في الانتخابات النصفية وتنازلات إيرانية غير مسبوقة مدعومة بتفويض شعبي عارم يؤهل مرشح ترامب للفوز بالرئاسة القادمة.
التعليقات