محمد خياري
يا صاحبي، أعود إليك بعد حديثنا، لأجد كلماتك قد استقرت في فؤادي كحبات المطر على أوراق الشجر، تتراقص بين الأسى والأمل:
أسى على من يختزل طريق الحق في قشور الكلام، وأمل في أن تشرق في القلب شمس الفهم، فتنفذ إلى لبّ اللباب.
تظن أن الزهد هروبٌ من الدنيا، وانقطاعٌ في صوامع منعزلة، وارتداءٌ لخشن الثياب، وتجويعٌ للبطون. وهذا، والله، فهمٌ قاصر، بل هو حجاب من الحجب. إنه تصور يجعل من الزاهد إنسانًا سلبيًا، معطّلًا لطاقات العطاء، غريبًا عن واقعه، وكأن الله الذي خلق الدنيا وزيّنها، يحرم على عباده التمتع بما أباح؟! حاشا لله.
الزهد الحقيقي، يا صاح، ليس نفيًا للوجود، بل تأويله. ليس هدمًا للعمار، بل بناؤه على أساسٍ متين. هو أن تكون في السوق بجسدك، وقلبك مع الله. أن تمسك الدرهم بيدك، ولا يمسك هو كيانك. أن ترى الدنيا كلها بين يديك، وأنت تعلم أنها وسيلة لا غاية، وجسرٌ تعبره لا وطنٌ تستقر فيه.
قال الحسن البصري: “ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك.”
وصدق ابن عطاء الله حين قال: “العارف لا يزهد في الدنيا، ولكن يزهد في نفسه.”
فها هو النبي الكريم، سيد الزاهدين، يتزوج ويغزو ويقضي بين الناس، وتُقسّم عنده الغنائم، ويملك كنوز العرب، فما منعه ذلك أن يكون عبدًا شكورًا، بل زادته الدنيا تواضعًا لله وخشية. وزهد سيدنا عمر في إمارته أن تلهيه عن ربه، لا في أن يكون أميرًا. فالزهد في القلب، قبل أن يكون في الجيب.
وأما ما تراه من كرامات، فانظر إليها بعين البصيرة، لا بعين الحسرة والحسد. إنها ليست متاعًا يتفاخر به، ولا نقودًا تُجمع في الخزائن، بل لطائف إلهية، ومِنَح ربانية، تظهر على يد عبدٍ صدق مع ربه، فصارت أجزاء من كيانه تشهد له، لا له هو. هي علامات طريق للمؤمنين، تدل على أن وراء هذا الحس عالمًا آخر، يقف عند بابه العقل خاشعًا متذللًا. من جعلها غاية، فقد حُرم الحقيقة، ومن أنكرها جملة، فقد جهل سعة فضل الله.
قال أبو مدين الغوث: “من لم تكن له بداية محرقة، لم تكن له نهاية مشرقة.”
وتأتي الآن لتقول: أليست هذه الطرق تُخدّر الناس وتدعوهم إلى الكسل؟ فأقول لك: بل هي التي توقظهم من سكرة الغفلة! إن الجهاد الأكبر الذي بشّر به النبي ﷺ هو جهاد النفس. فكيف تُخدّر طريقةٌ جعلت همّها الأول محاربة الهوى، ومقاومة الشهوة، وتطهير القلب من أدناس التعلق؟ إنها تريد أن تصنع من الإنسان جنديًا روحانيًا، قويًا في بدنه، صلبًا في أخلاقه، متينًا في عمله، شفافًا في سريرته.
الصوفي الحقيقي هو الذي يعمّر الأرض بيده، ويبني بمكارم أخلاقه، ويجاهد بشجاعة قلبه. عمله دعوةٌ صامتة، وهمّته سيفٌ قاطع، وذكره قوةٌ دافعة. إنه كالشمس، تشرق على الجميع فلا تحتكر نورها لأحد، وكالمطر، ينزل على الأرض القاحلة فيحييها دون أن ينتظر منها شكرًا.
قال سهل بن عبد الله التستري: “الزاهد هو من لا يفرح بموجود، ولا يحزن على مفقود.”
فلا تغتر، يا صاحبي، بمن يريد أن يحبس التصوف في زوايا الخلاف، ويصغّره ليضعه في جعبته. إنه بحرٌ لا ساحل له، وسراجٌ ينير الدرب للسالكين. هو أن تكون في العالم، ولا يكون العالم فيك. أن تملك الدنيا كلها، وأنت في قرارة نفسك تعلم أنك لا تملك منها شيئًا. أن تكون حرًا في زمن القيود، طليقًا في عصر الأغلال، ساكنًا وسط العاصفة، ثابتًا حين تتداعى الجبال.
كن مع الناس بجسمك، وكن مع الحق بروحك. اشهد وجودك في العالم، وشاهد العالم فيك، وارقه بذكر من لا يغيب عنك طرفة عين. فهذا هو الزهد: قلبٌ مُنَجّى من رعونات التعلق، ونفسٌ مطمئنةٌ إلى حضرة الرحمن.