دعاة السوشيال ميديا.. سلفيون بلباس إخواني
ماهر فرغلي
انتقلت ظاهرة الدعاة الجدد من مرحلة عمرو خالد إلى الذين بعده، مثل مصطفى حسني ومعز مسعود، ثم لما بعد الإسلاموية حيث دعاة السوشيال ميديا، الذين يحَلقون وحدهم الآن في الفضاء الافتراضي، وغزوا هواتف المستخدمين، وحققوا أرباحاً خيالية باسم الدين.
جسر سلفي بزي إخواني
البداية كانت من مجموعة الدعاة الجدد، وعمدتهم هو عمرو خالد، وبعده ظهر مصطفى حسني، الذي حكى عن علاقته الحميمة بخالد في برنامج بقناة اقرأ بتاريخ بتاريخ 21 يناير 2012م.
وظهر معز مسعود خريج الجامعة الأمريكية، قادمًا من “نيويورك”، تحت رعاية “عمرو خالد”، مستخدما طريقته، وفي “قناة اقرأ” أيضاً عام (2002م) بدأ أولى خطواته، ثم توالت برامجه بعدها ومنها “الطريق الصح” الذي عرض عام 2007م.
توالى ظهور الدعاة الجدد وكان منهم شريف شحاتة: الداعية الإخواني، خريج كلية العلوم (فيزياء)، وعمرو مهران: داعية فضائيات، وراديو. خريج علوم إدارية، ودراسات إسلامية حرة، ومن برامجه (يوميات شيطان).
وظهر مصطفى عاطف، ثم مجموعة راديو الإنترنت، الذي انقسم وفق إنجي أبو العز، بالمركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، إلى: نوع منتظم وتقليدي يبث عبر الإنترنت وله محطة أرضية، ونوع مستقل ويبث عبر الإنترنت فقط، وهو يختلف عن “البودكاستنج” الذي يسمح للمستخدم بسماعها بدون تدفق في أي وقت.
يرى الكاتب كامل رحومة، أن بداية ما جرى هو ظهور عمرو خالد كجسر بين “الإخوان” و”ما بعد الإسلاموية”، وأن ما يجري الآن هو استهداف الحالة لشريحة معينة وهي الشباب، عبر الانتقال من مرحلة الوعظ إلى التنمية، ثم التنمية البشرية، والانتقال من دعاة الفضائيات إلى الفضاء الإلكتروني.
وينتمي معظم دعاة السوشيال ميديا الآن للتيار السلفي، حيث يستفيدون من حالة إطلاقهم أمنياً، إلا أنهم يظهرون بنفس الشكل الإخواني.
يقول رحومة: إنهم متشابهون في الجذور فمعظم الحالات تنتمي بشكل مباشر، وربما غير مباشر لتنظيمات إسلاموية، مثل: “عمرو خالد” نفسه المعروف بكونه من جذور إخوانية باعترافه وكلام والده، وتم توظيفه لتغذية الأفراد العاملين وجذب المحبين، لتعويض الفقر في الرموز الدعوية الشبابية عند الجماعة، وكذلك متشابهون في وحدة مضامين الخطاب: فالمضمون الأساسي المشترك بين التيار القديم والجديد أن “الإسلام غائب” ويجب أن يعود، و”غياب الفهم الصحيح للدين” ويجب أن نفهمه كما ينبغي، ولا بد من كيان يضم المسلمين مرة أخرى مثل: “وحدة” أو “نهضة” أو “جماعة”… إلخ، وربما تعبر كلها عن أشكال مختلفة لمفهوم أرضي سياسي هو “الخلافة” ذلك المفهوم الذي ربما يخفونه داخل مفهوم أكبر منه وعلوي روحي هو “الاستخلاف في الأرض”،
يضيف رحومة: إنهم متشابهون أيضاً في الاستراتيجيات والأدوات المعتمدة فيما بين الأطياف المستهدفة: فعلى سبيل المثال: أول خطوة من خطوات ما يدعى “أستاذية العالم” هي: “تكوين الفرد المسلم”، و”المجتمع المسلم”… إلخ، وهذا ما تجده في الخطابات الشبيهة مثل “المؤمن القوي”، “المسلم المنتج”، “المسلم الصانع للحياة”… إلخ؛ بل إن التشابه الأكبر في التكتيكات والخطط، وذلك باستخدامهم نفس التكتيكات الحركية، فعلى سبيل المثال: حشد الجماهير بنفس فقه الإخوان المعروف “تكثير السواد” أي “الحشد الممنهج”.
هؤلاء الذين سيطروا على الجمهور
لم يتجاوز دعاة السوشيال الثلاثين من العمر، لكنهم خلقوا جمهورهم، وتحكموا في مضمونهم، وظهروا كلهم بلباس عصري، ولحية خفيفة، وكان أغلبهم يتميزون أنهم لا يمارسون الدعوة سوى في الفضاء الأزرق.
من هؤلاء «مؤمن ندا»، شاب يبلغ من العمر ٢٢ عامًا، ويدرس في كلية الهندسة جامعة طنطا، ويقدم فيديوهات احترافية تتضمن معلومات دينية بشكل مبسط، ولم يتورع أن يكتب على صفحته: «أنا مش شيخ.. أنا مجرد ناقل أسمع الحديث أو الآية وأطلع أقولهم في الفيديو بعد مراجعة شيوخ فى الأزهر».
كما منهم «شريف علي« خريج كلية الهندسة الجامعة الأمريكية، الذي تتصدر الآية القرآنية «إِن أُريدُ إِلَّا الإِصلاحَ» صفحته الشخصية.
من هذه النماذج أيضاً محمد قمصان، خريج كلية كلية التجارة، الذي يضع جملة «إن لقلبك عليك حقاً» بصدر صفحته الشخصية.
الداعية محمد جعباص، نموذج آخر ، طالب بالجامعة الإسلامية الأمريكية المفتوحة، تحت رعاية الإخواني “صلاح سلطان”، وهو حاصل على بكالوريوس نظم معلومات إدارية، وصدر له مجموعة قصصية من نتاج حلقات برامجه على اليوتيوب.
سنصطدم في هذا المجال بأحمد الفاتح، وكذلك أحمد عاشور، الذي وفق الكاتب المختص وائل لطفي في صحيفة روز اليوسف، يقدم مادة غير مدروسة جيداً، وصلت أحياناً إلى حدود اللغو، مثل قوله إن سرطان الثدي يصيب السيدات بسبب الضغط داخل صدورهن!، وأيضاً «مؤمن ندا» الذي يبدو واثقاً من نفسه بطريقة تدعو للدهشة، فهو يقول في حوار مع موقع «بوابة الحوار الدولي» إنه كان يعمل مونتيراً ومصوراً لعَدد من الفيديوهات الدعوية التي يسجلها آخرون، وإن هذا منحه الخبرة الكافية لكي يصبح داعية!، ورُغْمَ سِنِّه الصغيرة («23» عاماً)؛ فقد بدأ منذ خمس سنوات على يوتيوب، ثم انتقل إلى موقع فيسبوك، وهو يقول إنه لم يدرس الدين بأي طريقة منظمة، ولم يحصل على أي دورات في العلوم الشرعية، وهو يستعين في إعداد الفيديوهات التي يقدمها بكتاب واحد لا غير، هو «الفقه المُيَسَّر».
وغير هؤلاء كثيرون آخرون مثل علاء حامد، أبو بكر القاضى، محمد الغليظ، وياسر ممدوح، و عمرو بسيوني، الذي يلقبونه بشيخ الإنترنت، وهو يعمل باحثاً في «مبرَّة الآل والأصحاب» في دولة الكويت، وهي مؤسسة دعوية علمية تعتني بالملف التاريخي للصحابة وأهل البيت، ومعالجة الموضوع الطائفي، السني الشيعي، ومعروف عنه أنه يجيب على تساؤلات الشباب بطريقة تتسم بخفة الظل وبلغة يسهل فهمها، منها على سبيل المثال رده على سؤال: «إيه حكم شرب الحشيش يا شيخنا»، بقوله: «لا يجوز ياروح قلب شيخنا.. يا شاطر يا مؤدب».
لكن داعية السوشيال الأبرز، هو أمير منير، الذي تحصل فيديوهاته على مئات الآلاف من المشاهدات، ودائما ما يجري وراء الترند، ويدعو للتبرع لبرنامجه على موقع (باترن)، وهو إلكترونى مخصَّص لجمع التبرعات بوسائل دفع آمنة.
يقول أيضاً الكاتب المختص وائل لطفي في حديث تلفزيوني بقناة القاهرة والناس المصرية: إن بعضهم لم يصعد منبر جامع في حياته، وربما لم يجلس في مجلس علم واحد، ولا مَرّ بأي مرحلة من المراحل التي يمر بها الداعية التقليدي، هو أيضًا لا يحتاج لموافقة الأوقاف على أن يمارس عمله، ما يقوله، ولا أحد يستطيع إيقافه سوى شخص ما في وادى السليكون بأمريكا.
ويتميز دعاة السوشيال ميديا بصغر السِّن، وفق لطفي، أنهم لا يحددون موضوعاتهم مسبقًاً، لكنهم غالباً ما يربطون الموضوعات التي يتحدثون فيها بـ«التريند» أو الموضوع الأكثر رواجاً على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يكون هذا هو مدخلهم لإيصال رسالتهم.
كما يتميزون بعدم حصولهم على شهادات دينية، كما أنهم فقط مدربون مواكبون للعصر وآلياته، ويناقشون قضايا حدثية تعج بها الساحة الدعوية.
في الختام فإن الخطاب الديني الآن يتنوع بصورة عامة ومختزلة في جبهتين أساسيتين، الجبهة التقليدية بما يمثله الخطاب الأزهري والسلفي وغيره، من الخطابات التي تقوم على التراث العلمي، وينحبس في مرجعيات معينة لا يقدر على الخروج منها، وجبهة الدعاة الجدد في السوشيال ميديا، وهم مستقلون ومتنوعون يخوضون في موضوعات أكبر من طاقاتهم العلمية، ما جعل الخطاب الديني الآن في أزمة العبث، وبين منهجين، دون ضوابط ولا معايير منهجية، ما جعل الجمهور مضللاً وتائهاً.
التعليقات