دروس من اعتذار قناة فرنسية بعد حوار حول تدوينة مزيفة باسم الخارجية المغربية
لطفي الصمدي
في 23 فبراير 2026، بثت قناة France 24، ضمن برنامجها “وجها لوجه”، تغريدة نسبتها إلى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة. حملت التغريدة دلالات سياسية حساسة، مما سمح لها بالاندماج السريع ضمن السرديات الجاهزة لدى الجمهور حول السياسة الخارجية المغربية، خاصة في مواضيع مثيرة للجدل كالتطبيع أو العلاقات الإقليمية.
تبين لاحقا أن الحساب المستخدم مزيف، وأن الوزير لا يمتلك اصلا حسابا شخصيا على منصة X، حيث يقتصر التواصل الرسمي على حساب الوزارة الرسمي.
في اليوم التالي، 24 فبراير 2026، نشرت القناة اعتذارا رسميا، معترفة بخطأ النقل ومصدره غير الموثوق.
يوضح هذا الخطأ ظاهرة تُسمّى “استمرار تأثير المعلومات الخاطئة”:
الضرر يحدث في اللحظة الأولى لنشر الخبر. عندما يسمع الشخص المعلومة، يبني في ذهنه قصة منطقية: “بوريطة قال كذا، إذن الرواية غير الرسمية تأكدت”. هذه القصة تُخزَّن بسرعة في الذاكرة كتفسير جاهز.
عندما يظهر التصحيح لاحقًا وينفي الخبر، يتم إلغاء المعلومة الأصلية، لكن القصة الأولى لا تختفي بالكامل. وغالبًا لا يقدم التصحيح تفسيرا بديلا قويا يحل محلها.
لهذا يستمر تأثير المعلومة الخاطئة في التفكير، حتى بعد إثبات عدم صحتها. تبقى الفكرة عالقة في الذهن وتؤثر لفترة طويلة رغم نفيها.
في سياقات حساسة كالتي يعيشها المغرب إقليميا، يتضاعف التأثير. المعلومة الخاطئة لا تُقرأ منعزلة، بل تُدمج فورا في إطار جاهز: “خطوات سرية”، “تناقض بين الخطاب الداخلي والخارجي”، أو “تغيير موقف معلن”. حتى بعد النفي، يستدعي البعض الواقعة كقرينة ضمنية على وجود “شيء خلف الستار”، مما يعزز الانقسام ويصعب تفكيك السرديات المُشكَّلة.
الاعتذار يحمي السجل المهني للقناة، لكنه لا يمحو الأثر المعرفي الذي ترسخ عند اللحظة الأولى. في عصر الحسابات المزيفة والانتشار الرقمي السريع، يصبح التحقق المسبق من الهوية الرقمية والمصادر خطوة إلزامية، لا اختيارية، خاصة في القضايا الجيوسياسية الحادة.
هذه الحادثة تذكير بأن الضرر الحقيقي ليس في الخطأ نفسه فحسب، بل في صعوبة إزالة آثاره السردية المتجذرة. التصحيح ضروري، لكنه في الحالة المغربية على الاقل غير كاف تماما لاستعادة التوازن المعرفي السابق.
التعليقات