إصدار.. دراسة الإسلام السياسي بين أزمة المعرفة وزيف التمثيل
وائل صالح
كتابٌ ثمرةُ مجهودِ سنوات، سيكون قريبًا بين أيديكم في الربع الأول من هذا العام، آمِلًا أن يُمثّل قيمة مضافة في مجال دراسات الإسلاموية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن هذا الكتاب ينتمي إلى الجيل الثاني من دراسات الإسلاموية؛ أي إلى تلك الكتابات التي لا تكتفي بتحليل الظاهرة بوصفها موضوعًا سياسيًا أو دينيًا، بل تنتقل إلى نقد الحقل المعرفي الذي أنتجها. وبذلك يسعى الكتاب إلى الخروج من أسر المقاربات الوصفية أو الأمنية أو التبريرية، متجهًا نحو تأسيس مقاربة إبستمولوجية ناقدة تُعيد مساءلة الكيفيات والسياقات التي جرى من خلالها تناول الإسلاموية في الأكاديميا العربية والغربية، وتسائل في الوقت ذاته أسباب ترسّخ هذه المقاربات وحدودها المعرفية.
وإلى جانب طموحه في الإسهام بطرح مقاربة جديدة داخل النقاش، يسعى الكتاب أيضًا إلى إعادة ضبط شروط هذا النقاش نفسه. وتقوم أطروحته الرئيسة على فكرتين مترابطتين:
– أزمة المعرفة: أي اختلال الأطر المفاهيمية والمنهجية التي دُرست من خلالها الإسلاموية، خصوصًا في الأكاديميا الغربية، حيث تحوّلت الظاهرة من موضوع للتحليل إلى فاعل داخل منظومة إنتاج المعرفة نفسها.
– زيف التمثيل: حيث نجحت الإسلاموية في فرض ذاتها كممثّل «شرعي» للإسلام، ليس فقط في المجال السياسي، بل داخل الفضاء الأكاديمي والإعلامي، عبر سرديات الضحية، والهوية، وما بعد الكولونيالية.
ويمكن القول إن قوة الكتاب المحتملة تكمن في أنه لا يفصل بين هذين البعدين، بل يُظهر تواطؤهما البنيوي؛ إذ يصبح زيف التمثيل نتيجة مباشرة لأزمة المعرفة، في الوقت الذي تُسهم فيه أزمة المعرفة بدورها في إعادة إنتاج زيف التمثيل وترسيخه.
يعتمد الكتاب منهجًا متعدد المستويات، طمح إلى التميّز بـ:
– نقد إبستمولوجي انعكاسي (Reflexive Epistemology) يُخضع الباحث والحقل العلمي ذاته للمساءلة، وهو ما نادرًا ما يُمارَس في دراسات الإسلام السياسي.
– تحليل وثائقي صارم للنصوص المؤسسة للإخوان، مع رفض الاكتفاء بالمقابلات أو الخطابات الإعلامية المُكيّفة.
– مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين العلوم السياسية، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وتحليل الخطاب، ودراسات العنف والتطرف، والعلاقات الدولية.
ويطمح الكتاب إلى أن يكون هذا التداخل المنهجي غير زخرفي، بل وظيفيًا، ويُستخدم بوعي واضح لتفكيك البنية الشمولية للإسلاموية.
ومن جهة أخرى، طمح الكتاب إلى التميّز عبر عدة مسارات نقدية، من أبرزها: تجاوز الثنائية العقيمة بين «إسلامويين معتدلين» و«إسلامويين متطرفين»، وتفكيك وهم «ما بعد الإسلاموية» بوصفه مقولة مريحة أكاديميًا أكثر منه توصيفًا علميًا دقيقًا، وتقديم نقد جريء ومباشر لتعاطف قطاعات من الأكاديميا الغربية (الفرنكفونية والأنغلوساكسونية) مع الإسلاموية، دون أن يقع في خطاب عدائي أو إيديولوجي.
كما يقترح الكتاب مفاهيم تشغيلية جديدة، مثل: تسليع الإسلاموية، والاختراق الإسلاموي الرمزي للأكاديميا، و«الإسلامويات التطبيقية».
ويتوزع الكتاب بنيويًا على بابين متكاملين:
– الباب الأول: تأسيسي إبستمولوجي، يعيد بناء الإطار النظري للحقل.
– الباب الثاني: تطبيقي تحليلي، يختبر الفرضيات على حالات ونصوص ووقائع.
وبذلك، لا يشرح الكتاب الإسلاموية فقط، بل يوضح أيضًا لماذا قد يخفق كثير من الأكاديميين في فهمها.
أما حدود الكتاب، فتتمثل في أنه يُحسن تفكيك الإسلاموية بوصفها نظام تمثيل ومعرفة أكثر مما يُفصّلها باعتبارها ممارسة اجتماعية يومية. وهو أقرب إلى برنامج بحثي قيد التأسيس منه إلى نموذج مكتمل الأدوات؛ يُفكّك أكثر مما يُحاور، وقد يُنتج الوعي النقدي فيه قدرًا من «الانغلاق»، غير أنه يظل واعيًا بذاته، وموجَّهًا أساسًا نحو المضي قدمًا في تطوير المشروع البحثي وتعميقه.
التعليقات