خبيرة في الشأن التركي: تهديد الحرب الإيرانية لتركيا
رشيد المباركي
اعتبرت أصلي أيدينتاشباس، الباحثة في معهد بروكينجز ومديرة مشروع تركيا، بأنه على الرغم من محاولة أنقرة التزام الحياد في الحرب الدائرة مع إيران، إلا أنها لا تستطيع تجنب تبعات هذا الصراع.
واستنادا إلى خبرتها التاريخية في الموازنة بين القوى العظمى، لا سيما خلال الحرب العالمية الثانية، سعت تركيا إلى البقاء على الحياد، لكنها على عكس الماضي تفتقر اليوم إلى القوة الاقتصادية والعسكرية اللازمة للتأثير الكامل على نتائج المنطقة. فعلاقاتها الهشة مع جهات فاعلة كالولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب قدراتها الجوية المحدودة، تجعلها عرضة للخطر، كما تجلى ذلك عندما اعترض حلف الناتو – وليس تركيا – صواريخ إيرانية استهدفت أراضيها. وترى أيدينتاشباس أنه رغم التزامها الحياد ورفضها دعم العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، تواجه تركيا مخاطر استراتيجية جسيمة. فقد حافظت لفترة طويلة على علاقة حذرة وتنافسية مع إيران، مفضلة الاستقرار على الانهيار. وتخشى أنقرة من أن يؤدي ضعف إيران أو تفككها إلى تدفق اللاجئين، وتفاقم النزعة الانفصالية الكردية، وزعزعة استقرار حدودها. وفي الوقت نفسه، يُمثل النظام الإيراني المتشدد، الذي تهيمن عليه قوات الأمن، تحديات أيضا.
ومن الناحية المثالية، تفضل تركيا إيران مقيدة ولكن مستقرة، تحكمها اتفاقيات مماثلة للاتفاق النووي الإيراني، ما يحد من نفوذ طهران ويحافظ على النظام الإقليمي. كما يهدد الصراع تركيا داخليا من خلال القضية الكردية. فعملية السلام الهشة مع حزب العمال الكردستاني قد تنهار إذا ما أعاد الصراع إشعال الطموحات الكردية في المنطقة.
وقد انتاب أنقرة قلق بالغ إزاء التلميحات باحتمالية تسليح الجماعات الكردية في إيران، خشية أن يؤدي ذلك إلى عرقلة المفاوضات وإحياء الحركات الانفصالية. ورغم أن هذه المخاوف قد خفت حدتها مؤقتا، إلا أن هذه الأحداث كشفت مدى سرعة تأثير التطورات الخارجية على زعزعة استقرار السياسة الداخلية التركية. كما أوضحت أيدينتاشباس أنه من المخاوف الرئيسية الأخرى تغير موازين القوى الإقليمية، ولا سيما صعود إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة. فقد تدهورت العلاقات بين تركيا وإسرائيل بشكل حاد، خاصة بعد الصراعات في غزة وسوريا. وينظر المسؤولون الأتراك بشكل متزايد إلى تحركات إسرائيل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بطرق قد تهمش تركيا أو تحاصرها. ويري أن نظام ما بعد الحرب، حيث تضعف إيران وتعزز إسرائيل، قد يقلل من نفوذ أنقرة في سوريا وشرق المتوسط، وفي بيئتها الاستراتيجية الأوسع.
وخلصت أيدينتاشباس إلى أن الحياد وحده لم يعد كافيا لتركيا. فقد تصبح الحرب لحظة فارقة، على غرار الصراعات العالمية السابقة التي أعادت تشكيل الدولة التركية. ولحماية مصالحها، يجب على أنقرة أن تتخذ خطوات أكثر استباقية، تقوم على تعزيز السلام مع الجماعات الكردية، وتحقيق الاستقرار في دول مجاورة كالعراق وسوريا، وتوسيع طرق التجارة، وتعزيز القدرات الدفاعية. وبدلا من تجنب الصراع بشكل سلبي، تحتاج تركيا إلى استراتيجية متماسكة تضمن خروجها من الأزمة أكثر أمانا ونفوذا في نظام إقليمي سريع التغير.
التعليقات