حين تتكلم الوقائع… وتسقط الشعارات

24 مارس 2026

الدكتور محمد بشاري

في الأزمنة المضطربة لا يكون الخطر الأكبر في قوة السلاح وحدها، بل في قوة السرديات التي تُصاغ حوله. فكم من حدثٍ ميداني محدود تحوّل، بفعل الترويج الإعلامي والانفعال العاطفي، إلى “حقيقة كبرى” يُعاد ترتيب الوعي العام على أساسها. وهكذا يصبح المشهد الإقليمي ساحة مزدوجة: مواجهة على الأرض، ومواجهة موازية في العقول. وفي هذه المساحة الرمزية تحديدًا تُصنع الاصطفافات، وتُختزل القضايا، وتُبنى الأحكام السريعة التي قد تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعبير عن قراءة ناقصة أو منحازة للواقع.

إن المنطقة العربية اليوم تعيش لحظة دقيقة تتشابك فيها المصالح الاستراتيجية مع الشعارات الأيديولوجية، وتتنازع فيها مشاريع النفوذ مع تطلعات الشعوب إلى الأمن والاستقرار. وفي خضم هذا التشابك، يبرز خطابٌ شعبوي يسعى إلى تبسيط التعقيد عبر ثنائية مريحة: “مع” أو “ضد”، “مقاومة” أو “خيانة”، “اصطفاف” أو “تآمر”. غير أن هذه الثنائيات، رغم جاذبيتها العاطفية، لا تعكس حقيقة الواقع المركب، ولا تساعد على بناء وعي سياسي ناضج قادر على حماية الأوطان وصون المصالح العليا للمجتمعات.

لقد أثبتت التجارب أن القضايا العادلة لا تُخدم بالضجيج، ولا تُنصر بالمزايدات. فالدفاع عن حق الشعوب في الحرية والكرامة لا يعني القبول بتوظيف آلامها في صراعات إقليمية أو في مشاريع توسع تتجاوز حدود التضامن المشروع. كما أن مقاومة الظلم لا تبرر تهديد استقرار دول أخرى أو تعريض أمنها الاقتصادي والاجتماعي للخطر. فالأمن الإقليمي شبكة مترابطة، وأي اهتزاز فيها ينعكس مباشرة على حياة الملايين، من فرص العمل إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي.

من هنا يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لمنهج القراءة الواقعية التي توازن بين المبادئ والمصالح، وبين القيم والوقائع. فالدولة الوطنية، بما تمثله من إطار قانوني وسياسي لتنظيم حياة الناس، ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه باسم الشعارات الكبرى، بل هي الضامن الأساسي لحقوق المواطنين والمقيمين على حد سواء. وحين تُستهدف بنيتها التحتية أو يُهدد استقرارها الاقتصادي، فإن ذلك لا يمسّ الحكومات وحدها، بل يطال المجتمع بأسره، ويضعف قدرته على دعم القضايا العادلة التي يدّعي البعض الدفاع عنها.

إن أخطر ما يواجه الوعي العربي اليوم ليس نقص المعلومات، بل فائض التأويلات المتسرعة التي تُحوّل كل حدث إلى مادة للانقسام والاستقطاب. وفي زمن الإعلام الرقمي، حيث تنتشر المقاطع المختزلة والرسائل التعبوية بسرعة غير مسبوقة، يصبح من السهل صناعة رأي عام قائم على الانفعال لا على الفهم. وهنا تبرز مسؤولية النخب الفكرية والإعلامية في تقديم قراءة متوازنة ترفض التبسيط المخل، وتُذكّر بأن السياسة ليست مسرحًا للشعارات، بل مجالًا لإدارة التعقيد واتخاذ القرارات الصعبة.

إن المنطقة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى عقول هادئة تدرك أن حماية الاستقرار شرطٌ لأي مشروع تنموي أو إنساني. فالدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية واقتصادات متماسكة لم تفعل ذلك عبر الانخراط في صراعات مفتوحة، بل عبر الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والمعرفة. وهذه النجاحات ليست مجرد إنجازات وطنية، بل رصيد عربي وإقليمي يمكن أن يسهم في دعم قضايا المنطقة إذا ما أُحسن توظيفه.

وفي المقابل، فإن تحويل كل توتر إقليمي إلى فرصة للمزايدة أو لتصفية الحسابات الفكرية لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات وإضعاف القدرة الجماعية على مواجهة التحديات الحقيقية. فالعالم من حولنا يتغير بسرعة، والتنافس الدولي يتخذ أشكالًا اقتصادية وتكنولوجية متقدمة، بينما يظل جزء من خطابنا العام أسير مفردات قديمة لا تساعد على بناء مستقبل مستقر وآمن.

إن قراءة الوقائع بوعي لا تعني التخلي عن المبادئ، بل تعني حمايتها من الاستغلال. وتعني أيضًا إدراك أن التضامن الحقيقي مع أي قضية عادلة يبدأ بحماية مجتمعاتنا من الفوضى، وتعزيز قدرتها على الصمود والتنمية. فالأوطان التي تنهكها الصراعات لا تستطيع أن تكون سندًا لأحد، بينما الأوطان المستقرة القوية هي وحدها القادرة على تقديم الدعم الفعلي والمستدام.

في نهاية المطاف، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل التعقيد: الاستقرار ليس خيار الضعفاء، بل قرار العقلاء. وهو ليس تنازلًا عن القيم، بل شرطًا لحمايتها. وبين ضجيج الشعارات وصمت الوقائع، يظل الرهان على وعي الشعوب وقدرتها على التمييز بين من يخدم القضايا بصدق، ومن يستثمر فيها لتحقيق مكاسب عابرة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ما الذي ينتظر الدبلوماسية المغربية بعد الحرب؟

عمر العمري تؤشر الحرب الجارية، منذ 28 من فبراير، إلى أن النظام الإقليمي والدولي مقبل على مرحلة مختلفة نوعيا، لأن عالم ما بعد هذه المواجهة لن يكون امتدادا بسيطا لما قبلها.. لقد كشفت الحرب عن تصدعات عميقة في تصورات القوة والردع، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول معنى الهيبة العسكرية، وحدود الحماية الخارجية، وموقع الطاقة والممرات […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...