حول مذكرات محفوظ بن الوالد حول تجربته “الجهادية”
يوسف سمرين
نشأ محفوظ بعيدًا عن جو المدن وصخبها، وعاش في البادية وتلقى تعليمًا في المحظرة في موريتانيا، ولا إشكال في هذا فلا يد له فيه، لكنَّه تصدر للعالم الحديث وتحليله والتأثير فيه، دون أي مؤهلات معرفية أو سياسية فقد وجد نفسه ينخرط في جماعة الإخوان، التبليغ، حتى وصل إلى أفغانستان بعد خروج السوفييت منها، رحل إلى هناك بحجة (الاهتمام بقضايا المسلمين) وكم تخفي هذه العبارة من بؤس للمتصدرين فيها، فمن يهتم بشيء لا يضحي متخصصًا فيه، هل المهتم بأسعار الذهب مثلًا يصبح خبيرًا اقتصاديًا؟ رحل هناك والتحق بتنظيم (أسامة) لكنَّه يعترف في الكتاب أنهم لم يكونوا شيئًا يشبه عالم الأحزاب بل كان كل شيء يختزل بشخص هذا الرجل الثري، لا قول إلا قوله ولا رأي إلا رأيه، ويحاول محفوظ تصوير نفسه على أنَّه قاد خطًا إصلاحيًا لهذه المزرعة الخاصة تحت اسم تنظيم، مع اعترافه بفشله في الإصلاح لكنَّه لم يستقل وفق ادعائه من التنظيم إلا قبل غزو أمريكا لأفغانستان بقليل! وتعجب من أشخاص رضوا أن يكونوا كالأقنان داخل تلك المزرعة ثم يزعمون أنهم شاركوا أو ساهموا بالتحرر لـ(لأمة)!
رافق زعيمه إلى السودان، ثم رحل معه إلى أفغانستان في رحلته الثانية بعد إسقاط جنسية السعودية، وبلغت طاعته له أنَّه أمره أن يحضر أهله إلى أفغانستان فجاء بهم بجواره، بلا مشروع سوى أنَّ (الثري) كان يقرر ما يعنُّ لخاطره، ويسود مدائح وصفات (الأولياء) لمحبوبه حينها، وهكذا يردد في الكتاب ما سمعه من أخبار (أسطورة) الحرب السوفيتية الأفغانية، وشهوده يشهدون لأنفسهم فلا يحدثنا عن دور المخابرات الباكستانية في تلك المرحلة، ولا وجود السي أي إيه في باكستان قبل الغزو السوفيتي 1979 لأفغانستان، بقصة تحكى للأطفال قبل النوم، فقد قرر أن ينخرط في أحد تنظيماتها المملوكة لشخص، نصَّب نفسه ملكًا عليهم وقرر أن يتصرف كأنه السلطان الأعظم، ورغم ذلك يدَّعي أنَّه كان معارضًا لعدد من الأعمال! لكنَّها معارضة لا ترقى لأن ينفصل عن التنظيم، إلا قبل الغزو الأمريكي بقليل.
قدم للكتاب الحسن ولد الددو وكال المديح لمحفوظ بن الوالد وجعله عالمًا عاملًا! على أنَّ الددو رفيق يوسف القرضاوي فيما يسمى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكان فيما هو معلن ضد هذا التنظيم بل له فتوى صدرت عن جواز المشاركة في الحملة على الإرهاب قبيل إعلان الولايات المتحدة لغزو أفغانستان، لكن لا تجعل الحقائق مانعًا من رواية قصة جميلة! هكذا تعامل محفوظ مع الأمر لدرجة أنَّه في الكتاب يشكو من أنَّ أحد الأشخاص (ولا يسميه) ألف كتابًا ضد الإخوان في باكستان (الحصاد المر) وبدأ يتكلم عن العصبية الحزبية، على أنَّ محفوظ كان مفتيًا للتنظيم الذي يشغل فيه مؤلف هذا الكتاب مرتبة الرجل الثاني فيه! ولما يسميه يمدحه، ولما يعترض عليه يخفي اسمه، شخص يظن نفسه في موقع يسمح له بمثل هذا كأنَّها معلومات سرية!
لقد كان مفتيًا وجزءًا من تنظيم هو نفسه عدد بعض مشكلاته، لكنَّه لم يراجع نفسه مرة واحدة عن الأيدلوجيا الهزيلة التي تبناها التنظيم سواء في شرح رؤيتهم للعالَم أو نظرتهم في تغييره، كانوا مملوكين لرجل غامر بهم وبآلاف غيرهم، والآن يتصدرون كأنَّهم حكماء المسلمين! وبعد 11 سبتمبر فر الرجل إلى باكستان، وما لم يعرفه محفوظ أنَّ ضابط السي أي إيه الذي كان مسؤولًا عن ملاحقتهم في باكستان هو جون كيرياكو خرج مؤخرًا في بودكاست من 3 ساعات وشرح أنَّهم عمدوا إلى خطة برفع القيود عن الحدود مع باكستان حينها حتى يسهل عليهم اعتقال من يريدونه حيًا منهم في باكستان، لكنَّ قصص محفوظ كما هي العادة تغرق في الحديث عن التوفيق والرعاية الإلهية لهم، بلا تحليل لسبب سهولة وصولهم إلى باكستان.
وبعدها تواصل مع الإيرانيين وبصفته (محنكًا) أخذ منهم وعدًا شفهيًا أن يستقبلوهم وهكذا (بذكائه السياسي) عقد اتفاقًا لتسهيل دخول المطلوبين إليها، وبدأوا يتدفقون بعائلاتهم من نساء وأطفال إلى إيران وهناك أصبحوا مملوكين لإيران، فلم يمض وقت طويل حتى سجنوه هو ورفاق دربه واحتفظت بهم إيران لمدة 10 سنوات في سجون سرية، وأذاع محفوظ في كتابه (لطمية) عن الوعد المنكوث كأنَّه كان يتوقع منهم أن يلتحقوا بعمامته الغراء! صفحات الكتاب لا تخلو من قلت قصيدة بهذه المناسبة أو تلك، أو استذكرت ما قاله فلان، أو قصة تاريخية قرأها في المحظرة أو طالعها في كتاب أدبي، نوعًا ما تقرأ لشخص يسعى لتمجيد نفسه لا أنَّه يقر بأنَّه أخطأ الطريق.
وخلال سيرته يستطيع القارئ أن يلمس جنون العظمة، فهو يؤكد على أنَّه سليل بني هاشم، وموقن بأنَّه شخصية إصلاحية لا أنَّه مارس الصبيانية الثورية بلا أي رؤية، وبعد سنوات طويلة تواصل مع السفارة الموريتانية التي تفضلت عليه فأعادته إلى بلاده، وطلب عدد من المحققين الأمريكيين أن يلتقوا به، ومن بين أسئلتهم ماذا تقول للرئيس أوباما؟ هنا سوَّد صفحات في مذكراته وهو يحدَّثهم عن دعوته لأوباما إلى الإسلام كأنَّه بحق سيصل كلامه إلى الرئيس الأمريكي، لا أنَّ المحققين غازلوا جنون العظمة فيه، باعتباره لنفسه شخصية محورية في العالم وأنَّه حينها يخاطب رئيس الولايات المتحدة!
على أيِّ حال لا يحمل نفسه أي مسؤولية واضحة عن تجربته لما يقرب العقد مع التنظيم، ولا أي مراجعة فكرية، ورجع يشكر المسؤولين الموريتانيين كعادة غيره ممن كانوا معه في تلك الدوامة ولما استقبلتهم دولهم صاروا يشكرونها، وجزاها الله خيرًا ألم تكونوا تقولون إنها صنيعة الاستعمار، وتنادون بكفرها؟ وتطالبون الشباب بالاشتباك معها؟ لكن يبدو أنَّ شخصياتهم محورية في (مشاريعهم) المزعومة فإن ضُيق عليهم نادوا بكفر دول، وإلا شكروا مسؤوليها ورجالها، ونسوا كتبهم وما نشروه من التكفير والحديث عن الردة والطائفة الممتنعة، اليوم يكتب كتابه كأنَّه أحد الحكماء، مع أنَّه كان جزءًا من كوارث على قضايا المسلمين، بحجة الاهتمام بقضاياهم!
التعليقات