حسن البنا : بين التجديد والأدلجة السياسية للإسلام

25 فبراير 2026

بقلم الأستاذ أحمد حميدة

في الثاني عشر من فبراير عام 1949 تم اغتيال البنا؛ ورواية الجماعة تقول بأن عملية الاغتيال تمت بإيعاز من سلطات أجنبية، واتخذت الجماعة من هذا اليوم مناسبة وذكرى يتحلقون حولها معددين (مآثره) وما يصفونه بأنها (تجديداته) الفكرية؛ ومن ثَم منحوه لقب الإمام الشهيد ومجدد الإسلام في القرن العشرين استنادا لحديث نبوي شريف رواه أبو داوود (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها)، وتتجاوز تلك التسمية كون البنا مؤسس التنظيم فقط ولكنها تضعه ضمن سلسلة طويلة من المجددين الحقيقيين وتضفي عليه هالة دينية، مما أكسب أفكاره شيئا من القداسة التي يستحيل معها النقد أو الاستدراك تحت مزاعم أنها مشروع متكامل لنهضة الأمة،وهذا ما ادعاه إبراهيم منير(متوفى) القائم بأعمال المرشد بحسب جبهة لندن الذي أكد على أن الإقدام على قتل البنا لم يكن عدوانا على شخصه بقدر ما كان محاولة لقتل (المشروع) الذي يحمله والذي نذر حياته له؛ وهو إعادة مجد الإسلام ودولته وحضارته في صياغته الفكرية التجديدية الوسطية المعتدلة؛ وفي إطاره الحركي بتأسيسه جماعة الإخوان.

أسس البنا للإسلام الحركي الذي يسعى لكسب الأنصار وتجنيد الأتباع؛ من خلال تقديم خطاب عاطفي حماسي يُغلّب العاطفة على العقل، وأورد كُتاب الجماعة أنه زار ما يقارب ثلاثة آلاف قرية مصرية نشر فيها دعوته، وهذا ما أكسبه تلك المكانة في قلوب أتباعه والذين بدورهم آثروا العمل والحركة على الفكر والتنظير.
ولو قمنا بوضع مقارنة منهجية موضوعية تتجاوز الشحن العاطفي والخلاف الفكري والتحيز الأيديولوجي ما بين إسهامات وإنتاج البنا في مجال الفكر والتجديد؛ وبين علماء معاصرين له أو سابقين عليه ولاحقين والذين أثرو بإنتاجهم الساحة الفكرية والفقهية والدينية والسياسية؛ وصاغوا مشاريع فكرية واضحة المعالم لصار من العبث أن يتم منحه لقب مجدد!

فلم يكن ثمة جديد نوعي يمكن أن نضيفه إلى ساحات التجديد خاصة ثنائية الدين والدولة، والمواطنة وحقوق غير المسلمين والموقف من العالم ونظرية الخلافة.
إلا أنه أحال تأخر المسلمين إلى فقدان الإسلام سلطته السياسية، من خلال تفسيره للتاريخ تفسيرا سياسيا، وتسليط الضوء على فكرة(شمول الإسلام) وصياغة منظومة معرفية بديلة يجمع حولها الأتباع، لتكون المرجعية الفكرية التي تبني عليها الجماعة مواقفها السياسية والتنظيمية وتكون مرجعا أيضا في فهم الإسلام من خلال أصوله العشرين التي صاغها في رسالة(التعاليم) ومن ثَم يُنظر إليه على أنه أوتي شيئا من جوامع الكلم.
ذكر الشيخ محمد الغزالي في مقارنة أجراها بين سعة وتخصص البنا بالنظر إلى غيره من العلماء فذكر أن الأفغاني كان همه الأول والأخير أن يتحرر الوطن من التبعية والاستعمار الغربي، ومحمد عبده الذي نحا نحو التربية الواعية وعقد عليها الآمال للنهوض بالأمة، ورشيد رضا الذي دعا إلى سلوك درب السلفية الصحيحة التي لا غلو فيها ولا تشدد، ثم يقول(وشاء الله أن يكون حسن البنا هو وريث هؤلاء) في إشارة إلى أنه تفوق عليهم بجمعه تلك الجوانب من الإصلاح ووجه نحوها جهود جماعته.

فلم يكن البنا في عيون مريديه مجرد واعظ أو داعية أو مرشد، وبما أنه المرجعية العليا فهو قد تخصص في العديد من فروع المعرفة فكتب في التفسير والحديث والعقيدة، والفقه وأصوله، والتصوف والسلوك، والسير والأعلام، والمناسبات والأعياد، والمواعظ القلبية، والدعوة والحركة، والتربية والأصلاح، والسياسة والاجتماع، والاقتصاد والعمران، زاعمين أنها لم تكن مساهمات عابرة بل هي كتابة متخصص ونظرة ناقد بصير!
والمفارقة العجيبة أن البنا لم يعش طويلا (43سنة) ورغم انشغاله الدائم وكثرة ترحاله-كما يذكر الإخوان- فكيف وفق بين هذا الانشغال وذاك التخصص في العديد من مجالات المعرفة والعلوم؟ فهو لم يكن متفرغا للكتابة ولا حتى الدراسة الأكاديمية التخصصية التي تتيح له أن ينتج نصا متماسكا؛ هذه المتفرقات لا تعدو كونها محاضرات أو مقالات على صفحات جرائد الجماعة في مناسبات مختلفة تم جمعها من قِبل نائب المرشد الأسبق جمعة أمين (متوفى) ووضعها تحت عنوان من تراث الإمام البنا.

وفي الحقيقة أن البنا لم يكن رمزا دينيا ولا هو عالم متخصص في فرع أو عدة فروع من العلم؛ فهو لا يعدو كونه رمزا تنظيميا أسس تنظيما سعى من خلاله للوصول إلى السلطة وطوّع النصوص لخدمة أهدافه،وأحكم السيطرة على عقول أتباعه من خلال بناء كاريزما قيادية؛ وهيكل تنظيمي هرمي يستغرق نشاطهم في عمل جماعي؛ وتربية شبه عسكرية؛وسيطرة عاطفية مما ساهم في تشكيل هوية تنظيمية جماعية تتصادم مع الهوية الوطنية؛وخلق حالة من الولاء المطلق لشخصه، من هنا فإن مكانته تاريخيا لا تتعدى مكانة حسن الصباح الذي أسس فرقة أو جماعة الحشاشين التي اتخذت من الدين جسرا لتصفية خصومها.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...