حروب أشد صقيعا.. وأكثر ضراوة
محمد خياري
في كل حقبةٍ من حقب التاريخ، تتكرر المشاهد وكأننا أمام مسرحية أزلية؛ تتبدل فيها الأزياء وتتغير الديكورات، لكن النص يظل ثابتاً لا يتزحزح. هل يعيد التاريخ نفسه؟ نعم، إنه يعيد صياغة الفواجع ذاتها: صراع محموم بين القوى الكبرى، دماء تُراق، وأمم مستضعفة تُسحق تحت الأقدام الثقيلة لجبابرة الأرض. من سطوة الفرس والرومان إلى طغيان الإمبراطوريات الحديثة، ومن التحالفات المتقلبة إلى المصالح الضيقة، تبرز حقيقة واحدة: أن الحرب تجارة خاسرة، وأن الدماء ليست سوى وقود لمصانع الذهب والسلاح، وشريان يغذي شركات الطاقة والدواء.
لكن، وبالرغم من رتابة هذا التكرار، فإن لكل زمن بصمته الخاصة، ولكل مرحلة مرارتها التي تميزها عن سابقاتها.
لم تعد الحرب اليوم كما كانت بالأمس، حين كان الفرسان يتواجهون وجهاً لوجه، والسيوف تلمع تحت وهج الشمس في نزالات تحمل شيئاً من الفروسية. أما اليوم، فبضغطة زر باردة، تنطلق الطائرات المسيرة، وتُدار رحى المعارك من خلف الشاشات الباردة. غدا البشر مجرد مراقبين، بينما الآلات هي من يحسم المصائر. هذه “اللامباشرة” في القتل جعلت الحرب أكثر صقيعاً وأشد قسوة؛ لأنها انتزعت من الموت بعده الإنساني، وحرمت المقاتل من رؤية خصمه كبشر يشبهه في الضعف والألم.
في الماضي، كان “مجلس الأمن” يُقدَّم كمرجعية دولية عليا، وكصوت الحكمة الذي يملك كبح جماح النزيف. أما اليوم، فقد استحال ظلاً باهتاً يتوارى خلف كواليس المصالح، وكأن دوره انحصر في التبرير أو الصمت المطبق. وصارت الحروب تُخاض بلا غطاء، وبلا أقنعة دبلوماسية، وكأن العالم سئم تلك المسرحيات التي كانت تخدر الشعوب حيناً من الدهر.
أما الإعلام، الذي كان يُفترض أن يكون عين الحقيقة الصادقة، فقد صار مرآة مشوهة في “عصر التفاهة”. تتكرر الأخبار بلا روح؛ صور لصافرات الإنذار وصواريخ تنفجر في الأفق تُوثق من بعيد، لكن الضحايا مغيبون تماماً عن المشهد. ربما أدركت القوى المهيمنة أن صورة طفل جريح أو دمعة أم قادرة على زلزلة الرأي العام، فاختارت أن تواري الحقيقة خلف مؤثرات بصرية تقنية باردة. وهكذا غدا الإعلام أداة للتسطيح، يكرر ذاته حتى فقدت الأحداث قيمتها المعرفية وهيبتها الإنسانية.
كان للماضي مفكروه وقادة رأي يملكون بصيرة تنير للجماهير كواليس الأحداث. أما اليوم، فقد خبت تلك المصابيح؛ إما بالصمت، أو بالإسكات، أو بالذوبان في ضجيج العالم الرقمي الصاخب. لم يعد هناك من يجرؤ على النطق بكلمة الحق، أو يقدم تحليلاً يروي ظمأ الباحثين عن الفهم؛ فصار الجمهور يتيماً، يتخبط في تيهه بلا دليل أو بوصلة.
والأدهى من ذلك، أن الجماهير التي كانت قديماً تثور وتضغط لتغيير الواقع، غدت اليوم مجرد “متفرج سلبي”. يتابعون أخبار الموت كما يتابعون مباراة عابرة، بفضول لا يخالطه وجع. كأن الدماء التي تسيل ليست ماء الحياة في أجساد بشر مثلهم، وكأن المدن التي تُدك ليست بيوتاً يمكن أن تكون يوماً بيوتهم. هذا الانفصال العاطفي هو ما جعل الحرب أكثر سهولة في الاندلاع، وأكثر استمرارية في البقاء.
ليبقى التحدي الكبير والدائم: هل يمكن أن نعيد للإنسان إنسانيته؟ هل يمكن أن نختار ألا نكون مجرد نسخة أخرى من الماضي، بل بداية مختلفة، أكثر وعياً بأن الدماء ليست تجارة، وأن الإنسان ليس رقماً، وأن التاريخ يمكن أن يُكتب من جديد إذا امتلكنا الشجاعة ليكسر تكراره؟
التعليقات