جمالية الذوق ومعقولية المعنى: مذاق السعادة في كأس المعنى
د.محمد غاني
يعد الذوق من المفاهيم المحورية في التجربة الروحية في الإسلام، فهو ليس مجرد حس جمالي شكلي، بل هو ملكة باطنية تمكن السالك من إدراك الحقائق الخفية والمعاني العميقة الكامنة وراء الظواهر. وقد أولى الشيوخ الكمل من اهل التصوف عناية فائقة لتربية هذا الذوق لدى مريديهم، معتبرين إياه مفتاحا للوصول إلى مراتب سامية من المعرفة والمشاهدة. ومن أبرز هؤلاء الشيوخ الذين تجلت في أعمالهم هذه التربية، العارف بالله سيدي محمد الحراق المتوفى سنة 1845 م، والذي اشتهر بتائيته البديعة أتطلب ليلى وهي فيك تجلت
وتحسبها غيرا و غيرك ليست، وبمنهجه في التربية بالطرب والسماع كما سماه الدكتور محمد التهامي الحراق.
تعد اللغة الرمزية والإشارية قوام الشعر الصوفي، حيث تتجاوز الكلمات دلالاتها الظاهرية لتشير إلى معان روحية عميقة. وفي تائية الحراق، يبرز هذا التوظيف الرمزي بوضوح في مطلعها الشهير:
أتطلب ليلى وهي فيك تجلت
وتحسبها غيرا وغيرك ليست
هنا في هذا البيت الشعري الجميل ، لا تمثل ليلى المحبوبة البشرية بالمعنى الحسي المباشر، بل هي رمز للروح او النفخة الإلهية الكامنة في الجسد الإنساني والتي يدرك بها العارف الذات الإلهية.
إنها إشارة إلى الحقيقة الكونية بأن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وأنه متجل في كل ذرة من الوجود، وفي ذات السالك لطريق القوم نفسه. هذا البيت الشعري يدعو المريد إلى تجاوز البحث عن الحق خارج ذاته، فالحقيقة متجلية فيه، وليست غيرا منفصلا عنه. ومن خلال هذا التفكيك للرمز، يتدرب السالك على تنمية حسه التأويلي، ليتمكن من قراءة الإشارات والرموز الكونية والقرآنية، وإدراك المعاني العميقة التي تتجاوز القشور الظاهرية.
إن هذا التوجه يعمق فهم السالك بأن جمال المخلوق هو انعكاس لجمال الخالق، وأن العشق للكيان المادي المقيد هو في الأصل عشق للروح الأزلية المقدسة التي تسكنه.
وبالتالي، فإن ليلى في شعر الحراق تتحول إلى جسر فني للعبور إلى مقام العشق المقدس للحضرة الإلهية، مما يرتقي بالمحبة من مستواها الحسي إلى مستوى روحي مطلق.
التعليقات