جدل “وَعلى الذين يُطِيقونَه”.. أو حين يتحول الاستثناء إلى أصل
محمد بن جماعة
كل سنة تقريبًا، ومع اقتراب رمضان، يعود الجدل نفسه: كلمة واحدة في آية الصيام تُقرأ وكأنها “دليل قاطع” على شيء أكبر من حجمها… كلمة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 183–184)
المعترض المعاصر يقول عادةً:
إذا كان “الذين يطيقونه” عليهم فدية، فمعنى ذلك أن الصوم ليس فرضًا أصلاً، بل خيارًا، وربما التشريع كله مبني على الفدية لا على الصوم.
هذه النتيجة تبدو “لامعة” ومثيرة لأول وهلة… لكنها تنهار إذا عاملنا النص بمنطق بسيط:
منطق السياق + منطق التصنيف + منطق الاستثناء.
1) قاعدة منطقية أولى: لا تُبنى القاعدةُ من الاستثناء
الآية تبدأ بأقوى صيغة تقرير للتكليف: ﴿كُتِبَ عليكم الصيام﴾.
حتى من دون الدخول في اصطلاحات الفقه، المعنى اللغوي المباشر هنا: فُرض/أُلزم. ثم يأتي بعدها مباشرة تفصيل حالات الناس.
الخطأ المنطقي الذي يقع فيه البعض هو التالي:
• يأخذ جملة لاحقة في سياق تفصيلي: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾
• ويجعلها هي “الأصل” الذي يعيد تفسير صدر النص على ضوئه، لا العكس.
وهذا يشبه تمامًا أن تقول وثيقة قانونية: “الالتزام واجب… ومن كان لديه ظرف صحي فله بديل…” ثم يأتي شخص ويقول: “وجود البديل يعني أن الالتزام غير واجب أصلاً”!
البدائل في التشريع لا تنفي الأصل؛ بل تؤكده لأنها وُضعت لضبط تطبيقه على الواقع.
2) قاعدة منطقية ثانية: ترتيب الجمل في المقطع ليس عبثًا
سياق الآيتين يسير على نسق منطقي واضح:
1. تقرير الأصل: كتب عليكم الصيام.
2. تحديد المدة: أيامًا معدودات (تقليل العبء وإطار زمني مضبوط).
3. عذر مؤقت: مريض/سفر ← “عدّة من أيام أخر” (تأجيل لا إلغاء).
4. حالة خاصة أخرى: وعلى الذين يطيقونه فدية…
5. ترفيع أخلاقي: فمن تطوع خيرًا فهو خير له.
6. ترجيح عام: وأن تصوموا خير لكم.
هذا النسق يقول لك بالعربية الواضحة:
هناك تكليف عام، ثم استثناءات/تكييفات، ثم ميزان أخلاقي يذكّرك أن الصوم—عند القدرة الطبيعية—هو الخير.
لو كانت الفدية “هي الأصل” لكان من المنطقي أن يأتي النص هكذا:
“عليكم الفدية… ومن شاء صام”.
لكن النص جاء بالعكس: فرض الصوم أولًا، ثم تعديلاته.
3) أين المعضلة في كلمة “يطيقونه” نفسها؟
هنا يقع الالتباس اللغوي.
“أطاق” في العربية تعني قدر على الشيء. لكن القدرة في الاستعمال ليست درجة واحدة:
• قدرة “عادية” بلا حرج شديد.
• وقدرة “مع كلفة”؛ أي يقدر لكن بمشقة كبيرة.
ويشهد لهذا التدرّج في الدلالة نصٌّ معجميٌّ صريح؛ ففي لسان العرب (مادّة طوق) يربط ابن منظور بين “الطَّوْق/الطاقة” وبين حدّ الاستطاعة الذي قد يُنال بمشقّة، إذ يقول: «… وهو اسمٌ لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقّةٍ منه»، كما يذكر أيضًا: «أطاقه إطاقةً… وهو في طوقي أي في وسعي» .
وهذا يثبت أن “الإطاقة” في أصلها هي الوسع والقدرة، لكنها قد تُستعمل لبيان أقصى ما يبلغه الوسع مع كلفة. ويؤكده استعمال المفسّرين عند آية الصيام؛ فالقرطبي عند قوله تعالى ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ يذكر قراءة “يُطَوَّقونه” بمعنى “يُكلَّفونه”، ثم يصرّح بأن المراد قد يكون: «يكلفونه مع المشقّة اللاحقة لهم… يقدِرون عليه لكن بمشقّة تلحقهم»
وهذا فرق منطقي مهم:
عندما تقول: “فلان يطيق العمل” قد تعني: (يستطيع القيام به)، لكنك لا تنفي أنه سيتأذى أو سيُستنزف.
لذلك لا يلزم من “يطيقونه” أن يكونوا “قادرين قدرة مريحة”، بل قد يكون المقصود القدرة المرهقة.
وبالتالي:
الجملة لا تتكلم عن أصل التشريع، بل عن نوع من الناس داخل المجتمع: حالتهم مع الصوم ليست كحالة “الشاهد المقيم الصحيح” الذي يتوجه إليه التكليف ابتداءً.
4) سؤال منطقي حاسم: لماذا ذُكر المريض والمسافر ثم ذُكرت “يطيقونه”؟
هذا السؤال يُفكك الإشكال من جذوره.
• المريض والمسافر: عذر طارئ غالبًا، لذلك الحل “قضاء لاحق”.
• “وعلى الذين يطيقونه”: ظاهرها أنها ليست طارئة بالضرورة، بل حالة تتكرر أو تستمر عند فئة معينة، لذلك جاء بديل غير القضاء: فدية.
هنا يتضح منطق التشريع:
• العذر المؤقت ← تأجيل (قضاء).
• العذر الدائم أو المشقة غير المحتملة التي تجعل الصوم غير مناسب ← بدل ثابت (فدية).
حتى لو لم تُسمِّ الفئة: شيخ كبير، مرض مزمن، ضعف شديد… منطق النص يدل على تصنيف أعذار لا على نفي التكليف.
5) أين القفزة غير المبررة عند “الباحث المعاصر”؟
عادةً القفزة تتم بهذه الطريقة:
1. “يطيقونه” = يستطيعونه.
2. إذا كانوا يستطيعونه ومع ذلك لهم فدية، إذن الصوم ليس فرضًا بل خيارًا.
المشكلة هنا في المقدمة (1) لأنها مبتسرة:
“يطيقونه” لا تساوي دائمًا “يستطيعونه بلا حرج”، بل قد تساوي “يستطيعونه مع حرج شديد”.
فإذا سقطت دقة (1) سقطت النتيجة (2).
ثم هناك مشكلة منطقية ثانية: حتى لو سلّمنا جدلًا بأن “يطيقونه” = يستطيعونه (بأريحية)، فهذا لا ينفي فرض الصوم؛ لأنه قد يكون الحكم حينها مرحليًا (تدرّج تشريعي) أو خاصًا بفئة أو ظرف.
في جميع الأحوال لا يجوز عقلاً جعل الاستثناء ناسخًا للأصل بلا قرينة قاطعة.
6) التدرج التشريعي: لماذا هذا مهم منطقيًا؟
القرآن—كأي تشريع واقعي—قد يعالج المجتمع بالتدرج: يقرر المبدأ، ثم يضع مسارات انتقال، ثم يثبت الصيغة النهائية.
لذلك في موضوع الصيام تحديدًا، كثير من أهل التفسير يقولون إن الآية 2:184 كانت تُفهم عند بعضهم على أنها “تخيير” في بداية الأمر، ثم جاءت الآية 2:185:
﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾
فاستقرّ الحكم العام على الوجوب لمن شهد الشهر وكان قادرًا. وبقيت الفدية لمن لا يستقيم معه الصوم.
حتى لو لم تُدخل كلمة “نسخ”؛ يكفيك منطقًا أن تقول:
التشريع يضبط الانتقال من العام إلى الاستثناء، ومن الرخصة إلى العزيمة، دون أن ينفي أصل الفريضة.
7) شجرة القرار المنطقية المبسطة (الخلاصة العملية)
• هل أنت مقيم وشاهد الشهر وصحيح؟ ← الأصل: تصوم.
• هل عندك عذر مؤقت (مرض عارض/سفر)؟ ← تفطر وتقضي.
• هل حالتك تجعل الصوم غير مناسب أو غير محتمل على المدى المستقر؟ ← فدية (إطعام مسكين عن كل يوم).
• ومع ذلك يبقى ميزان النص حاضرًا: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ لمن استطاع الصوم دون ضرر.
الخلاصة النهائية
القراءة التي تجعل “يطيقونه” دليلًا على “عدم فرضية الصيام” ليست “اكتشافًا لغويًا”، بل غالبًا هي نتيجة:
• اقتطاع لفظ من سياق تشريعي محكم،
• وإسقاط تمييز مهم بين “القدرة” و“القدرة المُنهِكة”،
• ثم تحويل الاستثناء إلى قاعدة.
الآيتان، منطقيًا، تقولان شيئًا بسيطًا جدًا:
الصيام هو الأصل، لكن الناس ليسوا درجة واحدة؛ فمن كان عذره مؤقتًا يقضي، ومن كانت طاقته لا تحتمل جعل له بدلًا اجتماعيًا رحيمًا، ومع ذلك فالصوم خير لمن قدر عليه.
التعليقات