إعداد أمين انقيرة
صدر ضمن منشورات المركز الثقافي الكنتي بمناسبة ذكرى عيد المولد النبوي الشريف كتاب بعنوان: “إمارة المومنين بالمغرب بين حراسة الدين وسياسة الدنيا: العناية المولوية بالمولد النبوي الشريف أنموذجا” للدكتور أمين انقيرة إمام مرشد بالمجلس العلمي المحلي بمراكش، والدكتور ياسين بن روان عضو المجلس العلمي المحلي بالعيون.
وافتتح الكتاب بإهداء لأمير المومنين جلالة الملك محمد السادس دام له النصر والتأييد.
فقد دأب المغاربة جميعاً بالأسانيد المتصلة المتواترة على الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ابتهاجا بقدوم خير الورى، الرحمة المهداة للعالمين في القالب الإنساني، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، هذه الرحمة النبوية المتجلية في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله في تبليغه الدين للناس بطرق تراعي أحوالهم وسياقاتهم وتعتمد على الحوار والتواصل والإقناع آليات للتبليغ.
والحاجة ماسة لهذا الكمال البشري المسدد بنور الوحي حتى نعرج في ملكوت الله تعالى انطلاقا من الكتاب المسطور ووصولا للكتاب المنظور تعظيما لله تعالى وخشية منه، قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، إنها خشية عالم متبصر بقوة الله تعالى ما كانت أن تكون لولا أن هدانا الله تعالى للصراط المستقيم والمحجة البيضاء الواضحة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ومن هذا المنطلق وغيره اعتنى أمراء المؤمنين بالمغرب الشريف بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم، وتجلت هذه العناية في مجموعة من التدابير العملية الخاصة بسيرته وسنته صلى الله عليه وسلم، فكانت مجالس الشفا تسرد في كل وقت وحين آناء الليل وأطراف النهار في المساجد والجوامع والزوايا والمدارس العتيقة والمحاظر تعريفا بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبيان صفاته الخِلقية والخُلقية وأحواله ومعاملاته اقتداء به صلى الله عليه وسلم.
ومن جانب آخر كان إكرام الضيف والتوسيع على الفقير والمحتاج؛ وتلاوة القرآن الكريم، وقراءة السيرة النبوية والشمائل المحمدية، فلن تجد بلدة أو مدينة في المملكة المغربية الشريفة إلا وتجليات الفرحة والسرور على جميع سكانها، وكانت عادة إصلاح ذات البين وتسديد الديون من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
كل هذه الأخلاق الفطرية وغيرها كانت دائمة ومتجددة وقوية عند المغاربة، وتصبح أقوى في كل مولد نبوي شريف.
كما كانت قصيدة البردة ” الكواكب الدرية في مدح خير البرية” للإمام البوصيري رحمه الله من أشهر ما ينشد في المولد النبوي الشريف، وأخذت طابعا مغربيا أصيلا أصبح يميزها عن غيرها من القصائد الأخرى التي تنشد في جميع أقطار العالم الإسلامي؛ فهي من أنفس ما كتب عن مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد تتبع الكتاب مسار العناية بالمولد النبوي الشريف عند أمراء المومنين بالمملكة المغربية الشريفة حرسها الله عبر العصور، مع الوقوف عند العهد المحمد الزاهر.
ولتحقيق غرض إبراز العناية المولوية بميلاد خير البرية ضمن سلسلة العناية بثابت إمارة المومنين تم تقسيم البحث بعد المقدمة إلى خمسة فصول.
وفيما يلي بيان لأهم مضامينها قصد إتمام الفائدة، والإحاطة ببعض مهمات هذه العناية التي تجلي بوضوح حرص سلاطين الدولة المغربية على حراسة الدين وسياسة الدنيا. والحمد لله على أن أكرمنا بإمارة المومنين التي كانت وما تزال -إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- حامية للملة والدين.
فالفصل الأول: إمارة المومنين والثوابت الدينية: وتضمن: إمارة المومنين بين حراسة الدين وسياسة الدنيا، ونصا نفيسا للعلامة جموع الفاسي عن التأصيل الشرعي للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ثم تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ودواعي الاحتفال بمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، والخصائص والأبعاد المستفادة في ذكرى عيد المولد النبوي الشريف، والفرح بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ومولده: دلالته وآثاره، ونبذة عن المديح النبوي وأهمية قصائد الإمام البوصيري، ونماذج من عناية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمولد النبوي الشريف من نموذج كلمة وزير الأوقاف في عهد السلطان الحسن الثاني طيب الله ثراه، ونموذج خطبة من الخطب المنبرية المذكرة بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف، ثم نماذج من أنشطة المجالس العلمية المحلية في ذكرى المولد النبوي الشريف بمراكش والعيون وشيشاوة ومولاي يعقوب، ثم نموذج كلمة بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بمسجد الكتبيين، مع كلمة عن كتاب: “أصول الاحتفال بالمولد النبوي في المغرب” للدكتور الحسين أكروم.
ثم انتقل الحديث عن الزوايا الصوفية في العهد المحمدي الزاهر وعنايتها بالمولد النبوي الشريف، وتم الاقتصار على الزاوية الكنتية وعنايتها بمخطوطات السيرة النبوية والمدح النبوي، والزاوية البصيرية بإقليم أزيلال، والزاوية التيجانية في فاس، كما تم الحديث عن المولد النبوي في إفريقيا، ليختم بمسك الختام وهو مبحث بعنوان: جلالة الملك محمد السادس نصره الله وعفوه السامي في ذكرى المولد النبوي الشريف.
والفصل الثاني: إلمامات من تاريخ احتفال السلاطين والملوك وأمراء المومنين بالمولد النبوي الشريف عبر العصور: وتضمن نبذة موجزة عن الاحتفال بالمولد النبوي بالمغرب على الصعيد الرسمي، وأول أمير مؤمنين يحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف، ثم بعد ذلك تم التطرق للحديث عن المولد النبوي الشريف عبر العصور، حيث تم تناول ذكرى المولد النبوي الشريف في عهد الدولة الموحدية، وذكرى المولد النبوي الشريف في عهد الدولة المرينية، وذكرى المولد النبوي الشريف في عهد الدولة السعدية، وذكرى المولد النبوي الشريف في عهد الدولة العلوية.
وانتقل الحديث عن نماذج من احتفال بعض أمراء المؤمنين العلويين بذكرى المولد النبوي الشريف، وتضمن احتفال المولى محمد الثالث العلوي، واحتفال المولى الحسن الأول العلوي، واحتفال المولى يوسف العلوي، واحتفال السلطان محمد الخامس العلوي طيب الله ثراه، واحتفال السلطان الحسن الثاني طيب الله ثراه، واحتفال الملك الحسن الثاني بذكرى المولد النبوي بجوار قبر جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، ثم مسك الختام احتفال جلالة الملك محمد السادس نصره الله.
والفصل الثالث: من مظاهر الاحتفاء والاحتفال بالمولد النبوي الشريف في عهد الدولة العلوية الشريفة: وتضمن الاقتصار على أربعة مظاهر، وهي: 1- التصنيف في المولد المنيف، 2- ختم كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، 3- قراءة القصائد، 4- عقد سلاطين وملوك المغرب حفلات بمناسبة عيد المولد.
والفصل الرابع: نماذج من أنشطة أمير المومنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله في ليلة المولد النبوي الشريف: من سنة 2012 إلى سنة 2024.
والفصل الخامس: نماذج من حصيلة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية في العهد المحمدي الزاهر: من سنة 2010 إلى سنة 2024، ويقرأها السيد معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق حفظه الله في ليلة المولد النبوي الشريف.
أما الخاتمة: فتضمنت أهم نتائج البحث.
كما ختمنا ببرقية ولاء وإخلاص، ثم فهرسين؛ أحدهما للمصادر والمراجع، وثانيهما للموضوعات.
وقد قدم للكتاب فضيلة الدكتور سيدي حبيب الله الكنتاوي حفظه الله رئيس المركز الثقافي الكنتي، ومما ورد في تقديمه قوله:
“…لقد وضح الكتاب مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وأنه احتفال بسيد المبلغين وخاتم الأنبياء والمرسلين، وأن الاحتفاء به منطلقه شرعي ومبرره واقعي لربط الناس بسيرة النبي المصطفى قصد التأسي والاقتفاء والاقتداء، خاصة ونحن نعيش في عالم يحاول فيه البعض إسقاط القدوة، والطعن في عظماء ومقدسات الأمة، عالم متسارع أصيب بأزمة في القيم والأخلاق. إننا في المركز الثقافي الكنتي نثمن هذا العمل الكبير ونشجع الباحثين على الاقتداء بهؤلاء الشباب الذين نعتبرهم فتية آمنوا بربهم فزادهم الله هدى، لا يدخرون جهدا ولا يتوانون عن المساهمة في خدمة ثوابت الأمة بالتوجيه والتأليف.
لقد كان علماء المدرسة الكنتية يهتمون بالمولد النبوي الشريف اهتماما كبيراً، فهذا الشيخ العلامة المجدد الشيخ سيد المختار الكنتي الكبير (ت1226هـــ) ألف كتابه الموسوم ب ” نفح الطيب في الصلاة على النبي الحبيب”، وشرحه ابنه وخليفته الشيخ سيدي محمد الخليفة (ت1242هـــ)، في كتابه ” الروض الخصيب في شرح نفح الطيب في الصلاة على النبي الحبيب”، وخلفه ابنه الشيخ سيد أحمد البكاي الصغير، وألف قصيدة في المدح النبوي بعنوان “على النبي المصطفى”، وهي من أنفس ما ألف في المدح النبوي، وينشدها أهل الصحراء المغربية في كل ربيع النبوي احتفالا بقدوم المصطفى صلى الله عليه وسلم.
إننا نجدد شكرنا للدكتورين المحترمين: الدكتور ياسين بن روان، والدكتور أمين انقيرة على هذا الكتاب العظيم الذي أوضح معالم عناية إمارة المؤمنين بالمغرب بالثوابت الدينية والوطنية للمملكة المغربية الشريفة العناية المولوية بالمولد النبوي الشريف أنموذجا، وهو كتاب يأتي في سياق المشروع العلمي الذي ما فتئ الباحثان يبشران بمولود جديد في سياق التآليف الهادفة الخادمة لثوابت الأمة.
ويكتسي هذا الكتاب أهمية كبرى في الوقت الحالي؛ لأنه يبين مدى تعلق المغاربة كبارا وصغارا رجالا ونساء بالجناب النبوي الشريف حبا للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطيبين الطاهرين، وقد كان شيوخ الطريقة القادرية الكنتية متمسكين بالبيعة الشرعية لسلاطين الدولة العلوية الشريفة حبا لعترة النبي صلى الله عليه وسلم وأسباطه المنعمين الميامين”. انتهى
حفظ الله مولانا أمير المومنين، وحامي حمى الملة والدين، جلالة الملك محمد السادس وأدام عزه ونصره، وأدامه لهذا الوطن منارا عاليا وسراجا هاديا، وأبقاه ذخرا وملاذا لهذه الأمة، وأقر عين جلالته بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير الجليل المولى الحسن، وشد عضده بصنوه السعيد مولاي رشيد، وفي كافة أسرته الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.
ورحم الله الملكين الراحلين؛ مولانا محمدا الخامس، ومولانا الحسن الثاني، وطيب ثراهما، وجعل روحيهما في أعلى عليين مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.