2 أبريل 2025 / 13:24

تساؤلات حول الديكولونيالية: تفاعلا مع كتاب جميلة سعدون “النسوية بين المركز والمحيط”

نادية عطية
بدأت جميلة سعدون كتابها بنبذة عن غياتري سبيفاك واستطاعت أن تختار لنا محطات مهمة من حياتها الشخصية والفكرية والتي تستحق أن تدرس لكل نساء الجنوب خاصة. ثم بعد التعريف بمدرسة ما بعد الاستعمار توجهت للتعريف بالديكولونيالية، فأشارت الى المؤسسين الثلاثة لهذه المدرسة وهم أنيبال كيخانو وإنريكي دوسيل وميليونو.

لقد قامت هذه المدرسة على مقولة جوهرية وهي ربط الاستعمار بالحداثة ومن خلال إبداع مفهوم الكولونيالية التي تختلف عن الاستعمار يرى كيخانو أنها أدت الى تعتيم على تاريخ الشعوب وإقصائها عبر سلطة العرق في أمريكا وأيضا عبر تقسيم الاديان واعتبار المسيحية أرقى من الإسلام واليهودية بحيث تم طرد المسلمين واليهود من اسبانيا، وبهذا يستنتج انيبال كيخانو أن الحداثة كانت نتيجة للغزو وللكولونيالية بحيث أن تاريخ اكتشاف امريكا هو نفسه تاريخ سقوط غرناطة وبداية الحداثة.

كيخانو عوَض تبني الصيغة الشهيرة للكوجيتو “أنا أفكر، إذا أنا موجود”، يقترح الكوجيطو البديل: “أنا أغزو إذن أنا موجود”.

ملاحظات وتساؤلات:
ــ أولا، لا يمكن إنكار أن النهضة الأوروبية بدأت مع اكتشاف وغزو أمريكا فكل نهضة تاريخيا تصاحب أو تصاحبها ثروة واقتصاد ناشئ لكن يجب أن نتنبه أيضا إلى أن إسبانيا والبرتغال، في سياق غزو أمريكا بداية وطرد المسلمين ليسا هما من قادا النهضة، لكن النهضة بدأت من مكان آخر حيث كان هناك زخم علمي وفكري وقطع مع الاقتصاد الزراعي والتوجه نحو الاقتصاد الصناعي. إسبانيا والبرتغال التحقتا متأخرتين.

ــ ثانيا، يحق لمفكرين من أمريكا اللاتينية لم تعرف حضارتهم المكتشفة حديثا والتي تعرضت للإبادة، أي احتكاك من قبل مع الغزو والاستعمار أن يربطوا الغزو بالحداثة. لكن نحن الذين عايش وجودنا التاريخي الغزو المتبادل لا يحق لنا ذلك. العالمية لم تبدأ مع الحداثة والغزو لم يبدأ مع الحضارة الغربية. فقد يكون الاسكندر أول من سيد مفهوم الغز ولنشر الحضارة حتى انه كان يوصي جنوده بالتزاوج مع الاعراق الاخرى من أجل تحسين النسل ظنا منه أن العرق هو أصل التفوق.

لكن الغزو لم يبق مقتصرا على الرومان من بعده ولا حتى الفرس لكن المسلمين والعرب تبنوا نفس النهج. الفتوحات الإسلامية ومنذ عهد الخلفاء الراشدين حتى الإمبراطورية الأموية والعباسية ثم العثمانية كانت غزوا ليس من أجل نشر الإسلام فقط لكن من أجل تحصيل الجزية والاستيلاء على الثروات. وسقوط غرناطة لم يكن إقصاء فقط للمسلمين بل كان له وجه آخر هو إنهاء عهد التوسع الإسلامي.

ــ ثالثا، الاستعمار، كل الاستعمارات كان لها جانب إيجابي وهو التفاعل بين الحضارات والثقافات مما يؤدي نحو تطور الحضارة الانسانية عامة. وإذا كانت الكولونيالية سعت لربط التقدم الحديث بالمعجزة اليونانية فقط فهل يحق لها ذلك كما يتساءل مفكرنا عبد الله العروي في “السنة والإصلاح”؟ بل كما بيّن إنريكي دوسيل بالرجوع لمحمد عابد الجابري.

يُبيّن عبد الله العروي أن الرسالة المحمدية لم تكن معزولة عن السياق التاريخي للعالم الهلستيني فالإسلام جاء في خاتمة هذا التطور العام ليرث العالم الذي خلفه الإسكندر والإمبراطورية الرومانية بعد أن حسم لصالحه المنافسة الروحية بينه وبين الغرب. ومن المنطلق نفسه هل يمكن للعالم الإسلامي حل المسائل العالقة مثل المسألة النسوية حتى المسألة الدينية والسياسية بتجاهل الحل الغربي؟ ألم تعاني المرأة المنتمية للعالم الإسلامي لنفس الاضطهاد الأبوي والرأسمالي بالإضافة للاضطهاد الكولونيالي؟

لا سبيل إلى إنكار حقيقة تاريخية كما يُبيّن العروي دائما أنه وفي عالمنا المتوسطي كما يسميه انتقلنا على خط مستقيم لا فجوة فيه، من الثيولوجيا إلى الفلسفة، ومن هذه إلى العلم الموضوعي، ونحن لا نملك ترف إقصاء انتمائنا لهذا العالم بل إننا بهذا نخدم سردية إقصائنا وإقصاء الإسلام والتي هي سردية كولونيالية.

أما رفض هذا الإرث المتوسطي الحديث في أي حركة تحررية أو علمية فكرية بدعوى رفض الاستعمار، فلن يكون سوى تأبيد لظروف القابلية للاستعمار وبالتالي تأبيد الاستعمار.

هذه في تصوري هي النقط الأساسية التي ينبغي أن تنتبه لها نسوية الجنوب والتي تفطنت لها غياتري سبيفاك كمفكرة تنتمي لمدرسة ما بعد الاستعمار، وطبعا جميلة سعدون وهي تقترح علينا سيلفيا فيديرشي في الفصل الثاني للكتاب.