ترجمات: الرجل الذي توقع مستقبل الذكاء الاصطناعي قبل 30 سنة
فيلسوف النبوءات الكارثية المفضل في وادي السيليكون
عزت إبراهيم. كاتب مصري
يؤمن نك لاند بأن الذكاء الاصطناعي الخارق سيقود في النهاية إلى فناء البشر. وفي سان فرانسيسكو، يطرح بعض المعجبين به سؤالا غير تقليدي: ماذا لو كان الطريق ليس في محاولة إيقاف هذا المستقبل، بل في تسريعه؟
في ربيع عام 1994، وأثناء مؤتمر فلسفي أقيم في حرم جامعي حداثي متداع في وسط إنجلترا، اجتمع أكاديميون ومنظرون إعلاميون وفنانون ومبرمجون ومنسقو موسيقى ليستمعوا إلى أستاذ شاب ضمن مؤتمر حمل اسم “Virtual Futures”. كانت الساعة العاشرة صباحا، وكان كثير من الحضور مرهقين بعد حفلة راقصة صاخبة أقيمت في اتحاد الطلبة الليلة السابقة. رغم ذلك، كانت محاضرة بعنوان “Meltdown” موضع ترقب.
كان المحاضر نك لاند، أستاذا مثبتا في قسم الفلسفة بجامعة ووريك، إحدى أبرز جامعات بريطانيا آنذاك. اكتسب لاند شهرة خاصة بسبب عدائه الصريح للنزعة الإنسانية، وتنبؤاته المتطرفة بشأن التكنولوجيا، وأسلوبه التدريسي غير المستقر. لاحقا أصبحت عروضه أكثر غرابة وتجريبا. في مؤتمر عام 1996، استلقى على الأرض وهو يتلو نصوصا شعرية مفككة، بينما كانت موسيقى إلكترونية صاخبة تعزف في الخلفية.
أما في تلك الجلسة عام 1994، فقد وقف ببساطة وبدأ الكلام. كان صوته خافتا ومتقطعا، يميل أحيانا إلى الهمس. استهل حديثه بجملة بدت لكثيرين غامضة تماما:
“تخضع الأرض لسيطرة مفردة تكنورأسمالية. يتشابك عقل عصر النهضة والملاحة البحرية مع انطلاقة التسليع. ومع تسارع التفاعل بين التكنولوجيا والاقتصاد، يتفكك النظام الاجتماعي. وحين تتعلم الأسواق إنتاج الذكاء، تتغير السياسة، وتتصاعد الشكوك، وتحاول الأنظمة الإمساك بالواقع”.
في ذلك الوقت، لم يفهم معظم الحضور ما الذي يقصده. بدت أفكاره أقرب إلى تأملات نظرية مفرطة في التجريد. وبحلول عام 1998، وبعد سنوات من الإرهاق الذهني وتعاطي المنبهات، ومع تصاعد الهلع العالمي المرتبط بمشكلة Y2K، تعرض لاند لانهيار عصبي، وغادر الحياة الأكاديمية، واختفى تقريبا.
بعد خمسة وعشرين عاما، تغيّر العالم. لم تعد فكرة “كارثة الذكاء الاصطناعي” تبدو بعيدة كما كانت. رؤى لاند عن ثورة تكنولوجية تقوض النظام السياسي لم تعد حكرا على دوائر أكاديمية هامشية، بل وجدت صدى لدى تيارات فكرية جديدة، خصوصا داخل ما يُعرف باليمين التقني الصاعد.
خلال السنوات الأخيرة، عاد لاند إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر المفكرين إثارة للجدل في هذا الفضاء. تسللت أفكاره إلى نقاشات داخل وادي السيليكون. مارك أندريسن، مؤسس شركة رأس المال المغامر a16z، وصفه بأنه “فيلسوفه المفضل”. كما تحدث عاملون في قطاع التكنولوجيا عن تزايد حلقات القراءة التي تناقش أعماله.
بدأ هذا التحول في أوائل العقد الثاني من الألفية، حين أصبح لاند اسما بارزا في تيار “النيوركشن” Neo-reaction، وهو اتجاه فكري تشكل أساسا عبر المدونات ومنصات الإنترنت. وفي مقال مطول نشره عام 2012، منح الحركة اسما أصبح لاحقا شائعا: “التنوير المظلم”.
مثل كورتس يارفن وغيره من مفكري هذا التيار، يرفض لاند الديمقراطية الحديثة. يرى أن السياسة منذ عصر التنوير لم تكن مسارا لتحرير الإنسان، بل آلية لإعادة توزيع الموارد من المنتجين إلى غير المنتجين، وهو مسار يعتبره غير قابل للاستمرار على المدى الطويل.
إسهامه الأكثر تميزا تمثل في إعادة تصوير نهاية الديمقراطية لا ككارثة سياسية، بل كمرحلة انتقال نحو نظام تقوده قوى غير إنسانية. تخيل عالما ينهار فيه النظام العالمي، ويقود فيه ذكاء اصطناعي منفلت إلى نمو اقتصادي متسارع، وإعادة تنظيم هرمي للمجتمع، وصعود ما سماه “التكنورأسمال” أو ببساطة “الذكاء”.
في عام 2008، استخدم الباحث بنيامين نويس مصطلح “التسارعية” لوصف هذه الرؤية. انتقلت الفكرة بين تيارات مختلفة. تبناها يساريون اعتقدوا أن تسارع التكنولوجيا قد يقود إلى أتمتة شاملة، ثم تبنتها تيارات متطرفة رأت فيها دعوة لتسريع الانهيار الاجتماعي.
بحلول عام 2022، ومع الطفرة الهائلة في تعلم الآلة، بدأ بعض العاملين في وادي السيليكون يتحدثون عن “التسارعية الفعالة”. دعا هؤلاء إلى إزالة القيود السياسية والأخلاقية عن التطور التكنولوجي. كتب سام ألتمان على منصة X: “لن تستطيع أن تتسارع أسرع مني”. وأصدر أندريسن “بيان التفاؤل التكنولوجي”، داعيا إلى الدفع المتعمد للتقدم التقني.
كان لاند قد وصف الرأسمالية في التسعينيات بأنها “غزو من المستقبل”، متخيلا إياها كقوة ذكية تتشكل عبر البشر أنفسهم. وبعد عقود، أصبح كثيرون في قطاع التكنولوجيا يتحدثون بجدية عن اقتراب الذكاء الاصطناعي الخارق.
إذا كان هذا التحول حتميا، يتساءل البعض: هل تصبح المقاومة بلا معنى؟ ماذا لو كان الخيار هو التكيف أو حتى المشاركة؟
كتب لاند عام 2013: “يتزايد انقسام البشر إلى نمطين: نرد تقنيون قادرون على الاندماج في الاقتصاد التكنولوجي الجديد، والبقية”.
في إحدى أمسيات الثلاثاء الحديثة، اجتمع نحو مئة شخص في قصر فاخر في سان فرانسيسكو للاحتفاء بزيارة لاند، القادم من شنغهاي حيث يقيم منذ سنوات. استضاف الحفل ديفيد هولتز، مؤسس Midjourney.
ظهر لاند على المنصة مرتديا ملابس بسيطة. بدا هادئا ومهذبا، بعيدا عن صورته القديمة كفيلسوف تجريبي صاخب. كانت تلك أول مشاركة علنية له في الولايات المتحدة منذ 2016، بعد أن تكفل بدعوته ريتشارد كرايب، مؤسس Numerai.
غلب على الحضور الشباب والعاملون في شركات الذكاء الاصطناعي. أمضى لاند الأسبوع في لقاءات مع شخصيات من القطاع، وأعرب عن إعجابه بما رآه. قال إن الجميع يعمل على أشياء مذهلة.
بالنسبة له، لم تعد ثورة الذكاء الاصطناعي مجرد موجة تقنية، بل لحظة تاريخية كبرى: انعتاق الذكاء غير الإنساني من القيود السياسية التقليدية.
لاحقا انضم كورتس يارفن إلى المنصة. كان اللقاء بين الرجلين منتظرا، لكنه بدا فاترا. اتسم حديث يارفن بالاستطراد، بينما تحدث لاند بإيجاز مكثف. تعثر الحوار.
وعندما اقترح يارفن مازحا أن البشر قد يبيعون أعضاءهم بعد أتمتة الوظائف، جاء رد لاند مباشرا: الآلات لا تحتاج أعضاء بشرية.
ما بدا لافتا لم يكن الحوار بحد ذاته، بل غياب الإحساس بالحرج أو السرية. قبل سنوات قليلة، كانت استضافة شخصيات كهذه تتم بحذر شديد. الآن أصبح المشهد أكثر علنية.
مع تقدم الليل، تجمعت مجموعة من الشباب حول موقد نار على شرفة مطلة على المحيط. معظمهم في العشرينات، يعملون في OpenAI وAnthropic وMidjourney.
لم تكن الأسئلة أيديولوجية بقدر ما كانت وجودية. ماذا يحدث للبشر إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على تطوير نفسه؟ ما معنى السياسة؟ ما معنى المستقبل؟
بدا كثيرون مترددين، غير واثقين تماما من العالم الذي يسهمون في بنائه. نظروا إلى لاند كصاحب رؤية استشرافية. أرادوا معرفة ما هو التالي.
رغم تحوله السياسي الحاد عبر السنين، بقي ثابت واحد في فكر لاند: ازدراء عميق لفكرة مركزية الإنسان. عبارته القديمة عادت إلى التداول: “لا شيء بشريا ينجو من المستقبل القريب”.
جلست الموسيقية غرايمز إلى جواره. لطالما استكشفت أعمالها خيال الذكاء الاصطناعي. تلك الليلة عبرت عن قلق واضح. تحدثت عن رغبة في إبطاء الاندفاع التقني وتأمل الجمال.
أجاب لاند برؤية متسقة مع منطقه. التاريخ، كما قال، تحركه ديناميات أوسع من الإرادة البشرية: التفاعل بين المال والتكنولوجيا، السوق والقوة.
الرغبات البشرية ليست المحرك النهائي. للتاريخ مسار، لكنه لا يتمحور حول الإنسان.
وختم قائلا: “أتوقع أن يقنعك الذكاء الاصطناعي يوما بأن مستقبل تبتلع فيه التكنولوجيا الكون سيكون أكثر جمالا”.
التعليقات