تخليق الحياة من خلال السيرة النبوية
د. حمزة مولخنيف
في تاريخ الرسالات لحظاتٌ يتجاوز فيها الحدثُ ظرفَه الزمني، ليغدو أصلا في تشكيل الضمير الإنساني وإعادة بناء المعنى. والسيرة النبوية من هذا القبيل؛ فهي ليست مدوّنةَ أخبارٍ تُروى، ولا سِجلَّ وقائعٍ تُحفظ، وإنما هي تجربةٌ وجوديةٌ كاملة تخلّقت فيها القيم في صميم الحياة، وتحوّل فيها الوحي من خطابٍ مسموع إلى خلقٍ منظور، ومن معنىً متعالٍ إلى ممارسةٍ يوميةٍ تسري في تفاصيل العيش.
لقد كان حضورُ الرسول عليه الصلاة والسلام في التاريخ لحظةَ انقلابٍ أخلاقيٍّ عميق، إذ تجسّدت في شخصه عليه الصلاة والسلام وحدةُ القول والعمل، والتقت في سيرته حقيقةُ الإيمان بواقع الإنسان. لم يكن الخلق عنده زينةً سلوكيةً تُضاف إلى الرسالة، بل كان هو روحها وجوهرها، حتى شهد له القرآن بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فصار الخلق معيار الرسالة، وصارت الرسالة أفقا لتزكية الحياة.
ومن هنا اكتسبت السيرة مكانتها المركزية في البناء المعرفي والروحي للأمة؛ إذ لم تُتلقَّ بوصفها حكايةَ ماضٍ مكتمل، بل باعتبارها مثالا حيا يُحتذى، ومرجعا أخلاقيا يُهتدى به في تقويم الأفعال وترشيد الاختيارات. فهي نصٌّ تاريخيٌّ نعم، لكنها في الآن ذاته نصٌّ معياريٌّ، يفيض بالدلالات التي تتجاوز سياقها الأول، وتفتح أمام الإنسان إمكاناتٍ متجددةً لتخليق وجوده فردا كان أو جماعة.
إنّ التأمل الفلسفي في السيرة النبوية يكشف أنّ تخليق الحياة لم يكن أثرا ثانويا للبعثة، بل كان مقصدها العميق؛ فقد انصبّ الجهد النبوي على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بصياغة وجدانه وتقويم إرادته وتهذيب علاقته بذاته وبالآخر وبالعالم. في هذا الأفق، تبدو السيرة مدرسةً كبرى في التربية الأخلاقية ومشروعا حضاريا يتأسس على الرحمة والعدل والصدق، ويجعل من القيم روح العمران وشرط استقامته.
وعلى هذا الأساس، ينفتح هذا المقال على قراءةٍ تستجلي كيف أمكن للسيرة النبوية أن تحوّل الأخلاق من توصياتٍ نظريةٍ إلى حياةٍ نابضة، وأن تجعل من القدوة النبوية ميزانا يُقاس به الفعل الإنساني، ومعيارا يُستعاد به التوازن كلما اختلّ. قراءةٌ تتوسّل بالتحليل التاريخي والتأمل الفلسفي والاستضاءة بأقوال العلماء، لتبيّن أنّ السيرة ليست ذكرى تُستحضر، بل أفقٌ يُستأنف، وسبيلٌ يتجدّد به معنى الحياة حين تتأسس على الخلق.
ليست السيرة النبوية مجرد سجلٍّ تاريخيٍّ لأحداثٍ مضت، ولا أرشيفا سرديا لحياة رجل عظيم، وإنما هي نسيجٌ حيٌّ من القيم المتجسدة وذاكرةٌ أخلاقيةٌ للأمة، وفضاءٌ تتخلّق فيه الحياة الإنسانية على مثالٍ قيميٍّ رفيع. إنّها – بتعبيرٍ دقيق – انتقالٌ من الخبر إلى الخبرة، ومن الحكاية إلى الهداية، ومن الوقائع الجزئية إلى المعايير الكلية التي تؤسس معنى الوجود الإنساني في العالم.
حين يُستدعى النبي صلى الله عليه وسلم في السياق الإسلامي، فإنّما يُستدعى بوصفه النموذج الأعلى للاقتداء، كما نصّ القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، وهي آيةٌ جعلت من شخصه معيارا وجوديا لتقويم الفعل الإنساني. وقد تنبّه إلى هذا المعنى علماء الأصول والفقه، فرأوا أنّ أفعاله وتقريراته ليست مجرّد حوادث، بل مصادر تشريعٍ وتخليق، كما بيّن الشافعي في “الرسالة” حين قرّر أنّ السنة بيانٌ للكتاب وشرحٌ له وتفصيلٌ لمجمله. هذا البيان لم يكن لغويا فحسب، بل كان بيانا حياتيا، حيث تحوّل النص إلى سلوك والمبدأ إلى ممارسة والقيمة إلى نمط عيش.
إنّ تخليق الحياة يعني صوغها على مثالٍ قيميٍّ متماسك، بحيث تغدو الأخلاق روحا تسري في تفاصيلها، لا زخرفا خارجيا يعلوها. وقد قرّر أبو حامد الغزالي في “إحياء علوم الدين” أنّ حقيقة الخلق هيئةٌ راسخةٌ في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير تكلّفٍ ولا روية. وإذا كانت الأخلاق بهذا المعنى ملكةً باطنيةً، فإنّ السيرة النبوية تقدّم لنا المختبر الأسمى لتكوّن هذه الملكة؛ إذ نرى فيها تكرار الفعل القيمي حتى يغدو طبعا واستمرار الموقف الأخلاقي حتى يصير خلقا.
السيرة في هذا الطرح ليست خطابا وعظيا مجرّدا، بل هي تجسيدٌ تاريخيٌّ للقيم. لقد رأى ابن خلدون أنّ الدول والعصبيات تقوم على المعاني الجامعة التي تستقرّ في النفوس، وأنّ الأخلاق عنصرٌ جوهريٌّ في قيام العمران. وإذا أسقطنا هذا التحليل على التجربة النبوية، وجدنا أنّ الدولة التي قامت في المدينة لم تكن نتاجَ قوةٍ عسكريةٍ فحسب، بل ثمرةَ بناءٍ أخلاقيٍّ سابقٍ عليها، حيث أُنشئ الفرد على الصدق والأمانة والرحمة والعدل، قبل أن يُكلّف بإدارة الشأن العام. إنّ تخليق الحياة هنا يسبق تنظيمها ويؤسس لها من الداخل.
لقد وصف محمد بن جرير الطبري في تاريخه وقائع الدعوة الأولى في مكة، فبدت للوهلة الأولى صراعا عقديا بين توحيدٍ وشرك، غير أنّ التدقيق يكشف أنّها كانت كذلك ثورةً أخلاقيةً ضدّ منظومةٍ قيميةٍ قائمةٍ على العصبية الجاهلية والتمييز الطبقي والاستضعاف. حين أعلن النبي عليه الصلاة والسلام أنّ “الناس سواسية كأسنان المشط”، وأكّد في خطبة الوداع أنّ “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”، كان يؤسس لقاعدةٍ أخلاقيةٍ تتجاوز البنية القبلية، وتعيد تعريف الكرامة الإنسانية. هذا التحوّل ليس سياسيا فحسب، بل هو إعادة تشكيلٍ للوعي وتخليقٌ للحياة الاجتماعية على أساسٍ جديد.
وقد التفت المفكرون المعاصرون إلى هذا البعد التأسيسي، فرأى محمد عابد الجابري أنّ التجربة المحمدية مثّلت لحظةَ انتقالٍ من “العقل القبلي” إلى “العقل التداولي” المؤسس على الشورى والعقد، وأنّها دشّنت فضاءً عموميا قيميا يتأسس على الحوار والمسؤولية. ورأى طه عبد الرحمن أنّ السيرة ليست فقط تجربةً سياسيةً ناجحة، بل هي قبل ذلك ممارسةٌ أخلاقيةٌ كونية، وأنّ جوهر الرسالة هو “الائتمان”، أي تحمّل الإنسان مسؤولية القيم في العالم. في هذا التصوّر، يغدو الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام ليس تكرارا شكليا للأفعال، بل انخراطا في مشروعٍ أخلاقيٍّ مفتوح.
إنّ لحظة الهجرة كما عرضها ابن إسحاق في سيرته، تكشف عن عمق هذا التخليق؛ فقد كانت انتقالا جغرافيا، لكنها كانت كذلك انتقالا قيميا من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الصبر السلبي إلى الصبر الفاعل. إنّها لحظةُ إعادة تأسيس الحياة على عقدٍ أخلاقيٍّ جديد، تجسّد في “صحيفة المدينة” التي اعتبرها بعض الباحثين أول دستورٍ مدنيٍّ في التاريخ. هذه الوثيقة لم تُقصِ الآخر الديني، بل اعترفت له بحقوقه، وجعلت العدل أساس العلاقة بين مكونات المجتمع. وهنا تتجلى السيرة بوصفها مدرسةً في إدارة التعدد وتخليق العيش المشترك.
إنّ خلق الرحمة الذي وسم شخصية النبي عليه الصلاة والسلام كان حجر الزاوية في هذا البناء. وقد لخّص القرآن هذا المعنى بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. الرحمة هنا ليست عاطفةً عابرة، بل مبدأً كليا يحكم النظر والفعل. يروي المؤرخون أنّه عليه الصلاة والسلام كان إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وأنّه عفا عن أهل مكة يوم الفتح وهو في موقع القدرة. هذا العفو لم يكن سياسةً براغماتيةً فحسب، بل كان فعلا أخلاقيا يعيد صياغة العلاقة بين الغالب والمغلوب. وقد أشار يوسف القرضاوي في كتاباته إلى أنّ “فقه الموازنات” في السيرة يكشف عن أولوية الرحمة على الانتقام، وعن تغليب مقاصد الإصلاح على نوازع التشفي.
السيرة ليست مثالا طوباويا منفصلا عن الواقع، بل تجربةٌ بشريةٌ مكتملة العناصر، عرفت الفرح والحزن، النصر والهزيمة، السلم والحرب، الغنى والفقر. هذا التنوّع في الأحوال جعلها قابلةً لأن تكون مرآةً لكلّ إنسان يجد فيها موقعه، ويتعلم كيف يحوّل محنه إلى منح، وأزماته إلى فرصٍ أخلاقية. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته زوجا رفيقا، وفي السوق تاجرا أمينا، وفي المسجد مربّيا، وفي ساحة القتال قائدا منضبطا بالقيم. هذا التكامل بين الأدوار هو الذي يمنح السيرة قدرتها على تخليق الحياة في كل مستوياتها.
إنّ مفهوم “الاقتداء” الذي أكّد عليه الفقهاء ليس تقليدا حرفيّا، بل هو – كما بيّن علماء الأصول – اتباعٌ في المقاصد والغايات. فليس المقصود أن نعيد إنتاج الظروف التاريخية، بل أن نستحضر الروح الأخلاقية التي وجّهت الفعل النبوي. وقد فرّق أبو إسحاق الشاطبي في “الموافقات” بين العادات والعبادات، وبين الوسائل والمقاصد، مبرزا أنّ الشريعة جاءت لتحقيق المصالح ودرء المفاسد. وإذا كانت السيرة التطبيق العملي للشريعة، فإنّها تكشف عن حكمةٍ أخلاقيةٍ في ترتيب الأولويات وتقدير المصالح ومراعاة أحوال الناس.
من هذا المنظور، يغدو تخليق الحياة عبر السيرة عمليةً تربويةً مستمرة. إنّها تبدأ من تهذيب النفس، كما كان عليه الصلاة والسلام يربّي أصحابه على الصدق والصبر وضبط الغضب، وتمتدّ إلى بناء المجتمع على العدل والتكافل. وقد وصف مالك بن أنس عمل أهل المدينة بأنّه حجة، لأنّه تجسيدٌ عمليٌّ لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الربط بين النص والممارسة يكشف أنّ الأخلاق ليست تنظيرا، بل هي نمط عيشٍ جماعيٍّ تتوارثه الأجيال.
لقد أثنى كثيرٌ من المستشرقين المنصفين على شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، فرأى بعضهم أنّ سرّ نجاحه يكمن في جمعه بين القيادة الروحية والحنكة السياسية. غير أنّ النظرة الإسلامية تضيف بعدا أعمق، إنّ سرّ التأثير إنما يكمن في صدق الخلق، وفي انسجام الباطن والظاهر. إنّ تخليق الحياة لا يتحقق بالشعارات بل بالقدوة. وقد شهد له أعداؤه قبل أصحابه بالأمانة والصدق، حتى لُقّب بالأمين. هذه الشهادة التاريخية تكشف أنّ الأخلاق كانت سابقةً على الرسالة، وممهّدةً لها.
إنّ العالم المعاصر بما يشهده من أزماتٍ أخلاقيةٍ عميقة، في حاجةٍ ماسّةٍ إلى استعادة هذا النموذج، لا بوصفه ماضٍ يُمَجَّد، بل بوصفه أفقا يُستأنف. إنّ السيرة النبوية تقدّم تصورا للحياة يتجاوز النزعة الاستهلاكية، ويعيد للإنسان مركزيته الأخلاقية. في زمنٍ تتضخّم فيه الوسائل وتتضاءل الغايات، تذكّرنا السيرة بأنّ القيمة هي التي تمنح الفعل معناه، وأنّ الرحمة والعدل والصدق ليست فضائلَ فرديةً فحسب، بل شروطُ إمكانِ عمرانٍ إنسانيٍّ سليم.
إنّ تخليق الحياة عبر السيرة ليس مشروعا وعظيا محدود الأثر، بل هو إعادة هندسةٍ للوعي وصياغةٌ جديدةٌ للعلاقة بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخر وبين الإنسان وربّه. في هذا التلاقي بين التاريخ والأخلاق، بين النص والواقع، تتجلّى عظمة السيرة النبوية، وتنكشف قدرتها المتجددة على إحياء الضمائر وبعث المعاني وبناء إنسانٍ يَسَعُه العالم بقيمه، قبل أن يسعه بسلطانه.
وتغدو السيرة النبوية كتابا مفتوحا في تخليق الحياة، يُقرأ في ضوء النص ويُفهم في سياق التاريخ ويُفعّل في أفق المستقبل، حيث يظلّ المثال النبوي منارةً هاديةً، ومصدرَ إلهامٍ لا ينضب، وميزانا أخلاقيا يُقوَّم به اعوجاج الأفعال، وتُستعاد به إنسانية الإنسان. وفي هذا الأفق الرحب تتأسس الحياة على الخلق، ويغدو الخلق روح الحياة.
يمتدّ أثر السيرة النبوية إلى ما وراء حدود التديّن الشعائري، ليبلغ تخوم الفلسفة الأخلاقية في أعمق أسئلتها: ما الإنسان؟ وكيف ينبغي أن يعيش؟ وما معيار الخير في عالمٍ تتنازعه المصالح والرغبات؟ إنّ التجربة المحمدية لا تجيب عن هذه الأسئلة بصياغاتٍ نظريةٍ مجرّدة، بل تقدّم جوابها في صورة حياةٍ معاشة، تتخلّق فيها القيم في سياق الوقائع، وتُختبر فيها المبادئ في محكّ الواقع.
لقد تنبّه علماء الإسلام إلى أنّ الكمال الأخلاقي للنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن عارضا، بل هو جوهر رسالته، كما في الحديث المشهور: «إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق». وقد قرّر أبو حامد الغزالي أنّ المقصد الأسمى من الشرع هو تزكية النفس، وأنّ الأعمال الظاهرة إنما تُراد لتهذيب الباطن. وإذا كانت السيرة التطبيق العملي لهذا المقصد، فإنّها تقدّم نموذجا متكاملاً لانتقال الإنسان من طور الغفلة إلى طور اليقظة، ومن أسر الهوى إلى فضاء الحرية الأخلاقية.
إنّ الحرية في الأفق النبوي ليست انفلاتا من القيم، بل تحرّرٌ من عبودية الشهوات. وقد عاش النبي عليه الصلاة والسلام هذا المعنى في حياته اليومية؛ فقد كان قادرا على أن يراكم الثروة والسلطان، لكنه اختار الزهد لا رفضا للعالم، بل ضبطا لعلاقته به. لقد نام على الحصير وربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان يقول: «ما لي وللدنيا». هذا الموقف ليس رهبانيةً منقطعة، وإنما هو تأسيسٌ لميزانٍ قيميٍّ يجعل الإنسان سيدا على الأشياء لا عبدا لها. وقد رأى طه عبد الرحمن أنّ هذا الضبط الأخلاقي للعلاقة بالعالم هو شرطُ إمكانِ إنسانٍ مؤتمنٍ على القيم، لا مستهلكٍ لها.
تخليق الحياة في السيرة يتجلّى كذلك في طريقة إدارة الاختلاف. لقد ضمّ المجتمع المدني أطيافا متعددةً من المسلمين واليهود والمشركين، ونشأت بينهم علاقاتٌ تعاقديةٌ نظّمتها “صحيفة المدينة”. هذا النصّ لم يكن مجرّد وثيقةٍ سياسية، بل كان إعلانا أخلاقيا عن إمكان العيش المشترك على قاعدة العدل. وقد أشار ابن خلدون إلى أنّ العدل أساس الملك، وأنّ الظلم مؤذنٌ بخراب العمران. في التجربة النبوية، كان العدل سابقا على القوة، ومؤسسا لها؛ فبقدر ما كانت الجماعة ملتزمةً بالقيم، بقدر ما كانت قادرةً على الصمود.
ويبلغ هذا التخليق مداه في لحظات الشدّة، حيث تُختبر الأخلاق في أقسى صورها. يوم أُحد، حين تفرّق بعض الصحابة، لم يتعامل النبي عليه الصلاة والسلام بمنطق التوبيخ القاسي، بل جمع بين العتاب الرقيق والعفو، ونزل القرآن يؤكّد هذا المنهج: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾. إنّ اللين هنا ليس ضعفا، بل قوّة أخلاقية تحفظ الجماعة من التفكك. وقد لاحظ محمد عابد الجابري أنّ هذا الأسلوب التربوي أسهم في تحويل الصحابة من أفرادٍ متباينين إلى جماعةٍ تاريخيةٍ ذات رسالة.
ولعلّ من أعمق مظاهر تخليق الحياة في السيرة قدرتها على تحويل الألم إلى معنى. فقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم يتما وفقد أبناءه وتعرّض للأذى والإخراج، ومع ذلك ظلّ قلبه متّسعا للرحمة. إنّ هذه القدرة على تحويل الجرح إلى جسرٍ نحو الله هي ذروة التربية الروحية. وقد رأى ابن القيم أنّ البلاء في حياة الأنبياء تربيةٌ إلهيةٌ لقلوبهم وتكميلٌ لمقاماتهمانطلاقا من هذا المنظور، تتجلى السيرة كمعلم للصبر الإيجابي، لا يُحصر الألم في لوعته، بل يُرفع إلى مقام الحكمة والتأمل الهادئ.
إنّ مفهوم القيادة في السيرة النبوية يقدّم نموذجا فريدا في التاريخ. فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الحزم والرحمة وبين الشورى والعزم. لم يكن مستبدا برأيه، بل كان يستشير أصحابه في القضايا الكبرى كما في غزوة بدر والخندق. هذا السلوك يكشف عن وعيٍ عميقٍ بقيمة المشاركة، ويؤسس لأخلاقٍ سياسيةٍ قوامها المسؤولية المشتركة. وقد بيّن أبو إسحاق الشاطبي أنّ مراعاة المصالح العامة أصلٌ من أصول الشريعة، وأنّ تصرّف الإمام منوطٌ بالمصلحة. في السيرة تتجلّى هذه القاعدة في صورة قائدٍ لا ينفصل عن جماعته، بل يتقدّمها بخُلقه قبل أمره.
تتجلى عظمة السيرة أيضا في بعدها الجمالي؛ فالأخلاق فيها ليست قواعد جامدة، بل هي ذوقٌ رفيعٌ في التعامل. كان النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم في وجه أصحابه ويمازحهم ويلاطف الأطفال ويكرم النساء ويقوم لجنازة يهودي احتراما للإنسانية. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أنّ تخليق الحياة لا يتحقق في المواقف الكبرى فحسب، بل في اليوميّ العابر. إنّها أخلاقٌ تتسرّب إلى أدقّ الحركات، حتى يصبح السلوك العادي تعبيرا عن معنى سامٍ.
وقد أدرك الفقهاء أنّ هذه الروح هي جوهر الاقتداء. ولم ينظر مالك بن أنس إلى السنة بوصفها نصوصا منفصلةً عن سياقها، بل رآها ممارسةً حيّةً في مجتمع المدينة، حيث تجسّدت القيم في الأعراف والعلاقات. هذا الفهم يحفظ السيرة من التحنيط، ويجعلها قابلةً للتجدد عبر العصور. إنّ تخليق الحياة لا يعني استنساخ الماضي، بل استحضار روحه في مواجهة تحديات الحاضر.
في العالم المعاصر حيث تتسارع التحولات وتضطرب المعايير، تبرز الحاجة إلى مرجعيةٍ أخلاقيةٍ راسخة. إنّ السيرة النبوية تقدّم هذه المرجعية في صورة إنسانٍ عاش في التاريخ، لكنه تجاوز حدوده بخلقه. لقد استطاع أن يحوّل مجتمعا قبليا متناحرا إلى أمةٍ موحّدة لا بالقهر، بل بالتربية. وهذا التحول التاريخي شاهدٌ على قوة الأخلاق حين تتجسد في شخصٍ صادق.
إنّ تخليق الحياة عبر السيرة يقتضي قراءةً واعيةً تتجاوز السرد إلى الاستبصار. ليست الغاية أن نحصي الوقائع، بل أن نستخرج منها القيم الحاكمة. إنّ كلّ موقفٍ في السيرة يحمل دلالةً أخلاقيةً: في الصلح درسٌ في الحكمة، وفي الحرب درسٌ في الانضباط، وفي العفو درسٌ في السمو، وفي العبادة درسٌ في الصلة. على مقتضى هذا البيان، تغدو السيرة منهجا شاملا يعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.
إنّ استعادة هذا المنهج ليست خيارا ثقافيا فحسب، بل ضرورة حضارية. فالعمران الذي يخلو من القيم مآله التفكك، والسياسة التي تنفصل عن الأخلاق تتحول إلى صراع مصالح عارٍ. لقد أثبتت التجربة النبوية أنّ الأخلاق ليست عائقا أمام النجاح، بل شرطُ إمكانه. إنّها تمنح الفعل مشروعيته، وتكسبه عمقه الإنساني.
تتجلّى السيرة النبوية بوصفها أفقا مفتوحا لتخليق الحياة، لا يحدّه زمانٌ ولا مكان. إنّها دعوةٌ دائمةٌ إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل، حتى يصير الخلق طبيعته والعدل ميزانه والرحمة لغته. لقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وحدة القول والعمل، فكان خلقه القرآن، وكانت حياته ترجمةً حيّةً للوحي. ومن هنا كان الاقتداء به اقتداءً بالحياة في أسمى معانيها.
إنّ تخليق الحياة من خلال السيرة ليس مشروعا عاطفيا عابرا، بل هو مسارٌ طويلٌ من التربية والتزكية والمراجعة. إنّه يقتضي وعيا نقديا يستلهم المقاصد ويستحضر السياقات ويوازن بين الثابت والمتغير. وفي هذا المسار، تظلّ السيرة النبوية منارةً لا يخبو نورها، ومصدرا لا ينضب عطاؤه، ومرجعا أخلاقيّا يُعيد إلى الإنسان إنسانيته كلما أوشك أن يفقدها.
إنّ السيرة النبوية ليست صفحةً من الماضي بل نبضٌ في الحاضر ووعدٌ للمستقبل. بها تتخلّق الحياة حين تستمدّ معناها من القيم، ويتجدّد الإنسان حين يتأسّى بالمثال، ويستعيد العالم توازنه حين يُبنى على الرحمة والعدل. في هذا الامتداد المعرفي، يغدو الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام فعلا حضاريا ينهض بالإنسان ويشيّد العمران ويُعلي من شأن الأخلاق، حتى تغدو الحياة نفسها أثرا من آثار الخلق، وتجسيدا حيا لمعناه.
التعليقات