تحولات المشهد الإقليمي: من صدع المليشيات إلى تحالف السيادة والتنمية
علي البلوي
تتسارع المتغيرات في خارطة النفوذ بالشرق الأوسط لترسم ملامح مرحلة انتقالية كبرى، تبدو فيها القوى التي اعتمدت لعقود على “تصدير الأزمات” و”أذرع المليشيات” في حالة مراجعة قسرية أو انكماش تكتيكي أمام واقع دولي وإقليمي جديد.
فالتصريحات الصادرة عن كمال خرازي، والتي حملت اعترافاً نادراً بفشل سياسات التدخل الإيرانية تجاه الجوار، لا يمكن فصلها عن المسار الذي انتهجه نوري المالكي متأخرًا في العراق بإعادة تموضعه تجاه التحولات السورية الجديدة، وهي مؤشرات قوية على أن المنظومة التي كانت تعرف بـ”محور المقاومة” بدأت عملياً في مرحلة تفكيك الروابط العضوية مع وكلائها، إما بضغط الضرورة الاقتصادية والسياسية في طهران، أو بفعل انهيار المرتكزات الجيوسياسية في دمشق وبيروت.
هذا التراجع في لغة المواجهة، والذي تجلى بوضوح في خطاب “تنظيم الخلاف” الذي تبناه حزب الله في لبنان تجاه الدولة، يفتح الباب واسعاً أمام مشاريع بديلة تعتمد “الدولة الوطنية” لا “المليشيا العابرة للحدود” كقاعدة للتعامل. وفي هذا السياق، تبرز دعوة الأمير تركي الفيصل لإنشاء “اتحاد جزيري” يضم اليمن كخيار استراتيجي (والاردن كخيار تعزيزي) يتجاوز حدود المناورات السياسية إلى بناء كتلة صلبة تعيد لليمن عمقه التاريخي والبشري، وتسحب البساط من تحت أرواح المشاريع الانفصالية أو التابعة للخارج.
إن ما نشهده اليوم هو محاولة عربية جادة لملء الفراغ الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني، حيث تنتقل الكرة الآن إلى ملعب القوى المحلية في اليمن ولبنان والعراق لاستعادة سيادة العواصم المختطفة والانخراط في هذا التكتل الإقليمي الواعد، الذي يرى في استقرار الجار مصلحة أمنية واقتصادية عليا، مما يؤشر إلى أن زمن “تنظيم النزاعات” قد بدأ يفسح المجال لزمن “بناء الاتحادات”، شريطة أن تترجم هذه المؤشرات إلى سياسات واقعية تنهي ظاهرة السلاح المنفلت وتكرس مرجعية الدولة فوق أي اعتبار أيديولوجي أو طائفي.
يتظافر ذلك كله مع نهج سعودي يؤكد على أهمية تعزيز امن وإستقرار وسيادة الدول والاقليم، بعيدًا عن سياسات الفوضى ونهب الثروات والهيمنة الإقليمية، ورؤية اقتصادية تنموية قد تشمل مناطق ودول مختلفة غير المملكة العربية السعودية، كما اكد ذلك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في سياق حديثه عن رؤية المملكة 2030.
التعليقات