بين “حرمة المشاركة” و”واجب المواطنة”: في الرد على مغالطات العمراني آحنين
السوسي إبراهيم
الحمد لله الذي جعل الاختلاف آية، والتعايش حكمة، والصلاة والسلام على من أُرسل رحمة للعالمين، وبعد: فإن الناظر في فقه النوازل، والمتبحر في تراثنا الإسلامي وتاريخنا الأمازيغي العريق، يدرك أن “الفقه” ليس نصوصاً جامدة تُنزع من سياقها التاريخي والاجتماعي، بل هو فقه للواقع واستشراف للمآل. إن المحاولة التي تروم حصر حضور الرموز الدينية الرسمية في احتفالات مكون أصيل من مكونات الهوية المغربية تحت مقصلة “الحرمة” هي محاولة تفتقر إلى الأهلية العلمية والموضوعية التاريخية، وتتجاهل الخصوصية المغربية التي صاغتها القرون في ظل “إمارة المؤمنين”.
أولاً: التدقيق في مسألة المشاركة والتهنئة
إن القول بأن الحكم الفقهي “محسوم بالحرمة” هو قول يفتقر إلى المنهج الاستقصائي الذي يميز الباحثين؛ فالمسألة خلافية بامتياز، والراجح فيها يتغير بتغير “العلة” و”السياق”.
1. مدرسة إعمال مقاصد الشريعة:
ذهب جلة من العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية إلى جواز المشاركة والتهنئة من باب “البر والقسط” الوارد في قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (سورة الممتحنة: 8). قال ابن كثير: “أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفار الذين لا يقاتلونكم”
وهذا يشمل:
البر
الحضور الاجتماعي
المعاملة الحسنة
[وانظر *كتاب فقه الأقليات المسلمة* يوسف القرضاوي، ، دار الشروق، ص 161.]
[ وانظر *كتاب الفقه الإسلامي وأدلته*وهبة الزحيلي، ، دار الفكر، ج 8، ص 6511 (حيث أكدت أن البر يشمل الزيارة والتهنئة لغير المحاربين).]
2. بطلان دعوى “الإجماع” على التحريم:
التحريم الذي يستند إليه البعض ارتبط تاريخياً بحالات “الحرب” أو “التميز الهوياتي” في عصور كانت الهوية فيها دينية محضة. أما في دولة المواطنة، فإن الحضور هو فعل سيادي واجتماعي لا يمت بصلة للإقرار بالعقيدة.
[انظر *كتاب أحكام أهل الذمة*ابن القيم، ، ج 1، ص 441 (و بالرغم من تشدده في التهنئة، إلا أن الواقع التاريخي سجل تفاعلات اجتماعية واسعة لم ينكرها الفقهاء في حينها كواجبات اجتماعية).]
ثانياً: الخصوصية المغربية وإمارة المؤمنين
يخطئ صاحب المنشور حين يفاضل بين اليهود وغيرهم (كالبهائيين أو الشيعة) من منطلق “المساواة العددية”، متجاهلاً “الدستور” والتاريخ:
1. المكون العبري في الهوية: الدستور المغربي في تصديره يقر بوضوح أن الهوية المغربية “تغذت وانصهرت فيها مكونات عربية إسلامية، وأمازيغية، وصحراوية حسانية، وغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”.
2. إمارة المؤمنين: أمير المؤمنين في المغرب هو حامٍ للملة والدين لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم. وحضور رئيس المجلس العلمي أو الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى (الدكتور الراضي) ليس حضوراً لشخصه كعالم يفتي بالتحليل والتحريم في تلك اللحظة، بل هو تمثيل لمؤسسة “إمارة المؤمنين” التي ترعى التعايش.
[انظر *كتاب الإسلام في المغرب* أحمد التوفيق،منشورات وزارة الأوقاف، ص 88-92 (حول دور المؤسسة الدينية في تعزيز المشترك الوطني).]
ثالثاً: مغالطة “الميوعة” و”التيار المعتدل”
وصف الفتاوى المجيزة بـ “الميوعة” هو تجاوز أدبي وعلمي في حق مؤسسات عريقة كدار الإفتاء المصرية أو المجلس العلمي المغربي. إن “الفقه” هو “الرخصة من ثقة” كما قال سفيان الثوري.
فقه المواطنة: الحضور الرسمي في احتفالات اليهود المغاربة هو تكريس لمفهوم “المواطنة الجامعة”. و اليهودي المغربي ليس “أجنبياً” أو “ذمياً” بالمفهوم التراثي القديم، بل هو مواطن كامل المواطنة.
[انظر *كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها*علال الفاسي، دار الغرب الإسلامي، ص 154 (حول ضرورة تجديد الفقه الاجتماعي بما يتوافق مع حقوق المواطنة).]
رابعاً: البعد التاريخي الأمازيغي واليهودي
تاريخ المغرب يشهد أن الأمازيغ واليهود تعايشوا في “الملاح” و”القرية” لآلاف السنين قبل حتى ظهور التقسيمات السياسية الحديثة. فحضور السلطة والعلماء هو استمرار لهذا الرباط التاريخي الذي حمى المغرب من الفتن الطائفية.
فالقول بحرمة المشاركة من حيث كونها إقرارا عقديا، يتنافى تماما مع واجب المواطنة من حيث أنها تمثيل لمؤسسات الدولة و حماية للمشترك.
والقياس على “أقليات” أخرى من حيث المساواة العددية ، يتنافى مع الرافد العبري كمكون دستوري و تاريخي أصيل للمغرب.
وحضور العالم من حيث الإستنكار و التعجب ، يتنافى مع حضور العالم كتزكية لروح التسامح ومنع للفكر المتطرف.
ختاما :
إن حضور الدكتور الراضي أو رجال السلطة هو “فعل سيادي” و”واجب وطني” ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ الدماء والأعراض والأموال، وتعزيز السلم الاجتماعي. أما حصر الدين في “التحريم” و”المنع” فهو تبسيط مخل لتعقيدات “فقه الدولة” و”فقه التعايش”.
“ إن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات”؛ [إعلام الموقعين، ابن القيم الجوزية، ، ج 3، ص 11.].
إنَّ من آفات النظر المعاصر في القضايا الشرعية تنزيلُ الأحكام الجزئية على وقائع مركّبة دون تحريرٍ لمناطها، ولا استحضارٍ لمقاصدها ومآلاتها. ومن ذلك ما أورده صاحب المنشور، إذ خلط بين حضورٍ مؤسسي ذي طبيعة تمثيلية، وبين مشاركةٍ دينية تعبّدية؛ فاستنتج حكماً بالتحريم، وهو استنتاجٌ يعوزه التحقيق الأصولي، ويصادم فقهَ الواقع، ويغفل عن سنن الشريعة في تدبير التعدد الديني داخل المجتمع.
الحضور الرسمي للمجلس العلمي ليس إقراراً بدين ، ولا مشاركة في شعيرة، بل هو: تجسيد لفقه التعايش والسياسة الشرعية
وليس كل حضورٍ مشاركة، ولا كل تهنئةٍ إقرار، ومن عجز عن التفريق بين العقيدة والمعاملة… فقد ضيّق ما وسّعه الله، وحرّم ما لم يحرّمه الشرع.
التعليقات