بين برودة المنهج وحرارة الأمنيات: قراءة في كواليس التفاوض الأمريكي الإيراني

26 فبراير 2026

علي البلوي

في إحدى الدورات المتخصصة في التحليل السياسي، كانت الدكتورة نانسي زولا تلح دائماً على قاعدة ذهبية تمثل حجر الزاوية في هذا العلم: “لا تقدم على التحليل بعواطف وانحيازات مسبقة”.

كانت زولا تدرك أن أخطر ما يواجه المحلل ليس نقص المعلومات، بل فيض المشاعر التي تلون الحقائق وتجعل العقل يرى ما يتمنى وقوعه لا ما يفرضه الواقع.

ومن هذا المنطلق المنهجي، تبرز الحاجة اليوم لتشريح ملف المفاوضات الأمريكية الإيرانية بعيداً عن “الأفكار المعلبة” التي تملأ الفضاء الإعلامي بالضجيج.

إن ما نراه اليوم في جولة جنيف (فبراير 2026) ليس صراعاً بين “الخير” و”الشر” كما تروج الخطابات الاستهلاكية، بل هو مباراة شطرنج معقدة تُستخدم فيها الحشود العسكرية كـ “أدوات تواصل” خشنة.

فبينما يضخ البيت الأبيض خطاباً يتوعد “بتصفير التخصيب”، نجد أن التحليل البارد يكشف أن الحشد العسكري غير المسبوق في المنطقة يهدف إلى رفع “سعر المقايضة” لا إلى تفجير الحرب. ففي عقيدة القوة الحالية، يُعد التصعيد هو “المقبلات” الضرورية لفتح شهية الخصم على تقديم تنازلات تاريخية كانت مستحيلة في ظروف الهدوء.

وبالانتقال إلى ضفة المشهد الأخرى، تدخل طهران المفاوضات بظهير إقليمي مكشوف بعد التحولات الدراماتيكية في سوريا، مما يجعل “التحليل الاستسلامي” رائجاً في سوق الأمنيات.

لكن المنهجية العلمية التي علمتنا إياها الدكتورة زولا تفرض علينا رؤية “اللاعب العقلاني”؛ فإيران التي خسرت حلفاءها قد تصبح أكثر تمسكاً بورقتها النووية كدرع أخير، مما يجعل “الصفقة القبيحة” (تجميد تقني مقابل انفراج مالي) أكثر احتمالاً من “الاستسلام الكامل”.

الحقيقة تُطبخ الآن في الغرف المظلمة بعيداً عن صراخ الشاشات، حيث تتفاوض الأطراف على “المناطق الرمادية” التي تمنح واشنطن صورة المنتصر وتمنح طهران ضمانة البقاء.

ولا يمكن اكتمال هذا التشريح المنهجي دون رصد “اللاعب الصامت” في كواليس جنيف؛ وهو التنين الصيني. فبينما يروج التحليل المعلب لفكرة أن الصين هي “المنقذ” الدائم لإيران، يظهر التحليل البارد لعام 2026 أن بكين بدأت تمارس سياسة “البراغماتية الموجعة”؛ فهي توازن بدقة بين رغبتها في تأمين موارد الطاقة الإيرانية، وبين خشيتها من دفع أثمان اقتصادية باهظة في ظل التهديدات الأمريكية بحرب تجارية شاملة.

إن “الصفقة السرية” التي يُحضر لها حالياً قد تتضمن مباركة صينية لـ “تجميد نووي” مقابل ضمانات أمريكية بعدم المساس بخطوط الملاحة وحركة التجارة، وهو ما يعزز فرضية أن الجميع يبحث عن “مخرج آمن” وليس عن “مواجهة صفرية”.

هنا يتضح جوهر نصيحة الدكتورة نانسي زولا؛ فالصين لا تتحرك بعواطف “الصداقة الأيديولوجية”، بل بلغة الأرقام والمصالح الجيوسياسية الصرفة.

وهذا المتغير الدولي هو الذي يدفع طهران اليوم نحو مرونة غير مسبوقة على طاولة المفاوضات، لإدراكها أن “مظلة الحماية” الدولية أصبحت مشروطة بتوافقات لا تملك هي وحدها قرارها.

إن إقحام هذا البعد في التحليل يخرجنا من نفق “الأمنيات” الضيق إلى فضاء “توازن القوى” الفسيح، حيث لا مكان للصدف أو المشاعر العابرة.

أن التحليل السياسي الحقيقي هو عملية تشريحية باردة لا تبالي بمدى قسوة النتائج، هدفها تقديم صورة دقيقة للواقع لمساعدة الناس على فهم أين يقفون، لا أين يتمنون أن يكونوا. عندما تسمع تحليلاً يريح أعصابك أو يدغدغ عواطفك، فاعلم أنك أمام سلعة استهلاكية ولست أمام رؤية استراتيجية؛ فالحقيقة في السياسة نادراً ما تكون مريحة، ودائماً ما تُكتب في صمت الصفقات السرية لا في ضجيج الشعارات.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...