بين الخطابة والخبرة في المجال الديني
محمد خياري
تبرز إشكالية أساسية كثيراً ما يقع فيها الناس، وهي الخلط بين الدور التوعوي العام الذي تؤديه الخطابة والمحاضرة، وبين الدور العملي المتخصص الذي تضطلع به الخبرة الشرعية في معالجة قضايا المجتمع.
فالخطابة الدينية، مهما بلغت قوتها البلاغية وعمقها الفكري، تبقى في جوهرها وسيلة للتوعية والتحسيس، تهدف إلى غرس القيم العامة في النفوس، وإثارة الانتباه إلى قضايا أخلاقية واجتماعية، وتحريك الضمير الجمعي نحو اتجاه محدد. أما الخبرة الشرعية فهي عمل تقني وعلمي يقوم على التخصص الدقيق، ويُطلب عادة في سياق عملي محدد، لحل مشكلة أو لتقديم رأي ملزم أو مرجعي في قضية بعينها.
إن خطبة الجمعة التي تتحدث عن قيمة العدل مثلاً تُحفّز الناس على احترام الحقوق وتذكّرهم بواجباتهم، لكنها لا تُصدر حكماً في نزاع قضائي بين طرفين، لأن ذلك يحتاج إلى خبرة فقهية وقانونية متخصصة. وكذلك محاضرة عامة عن أهمية الأسرة تُذكّر بقدسية الزواج وتدعو إلى الحفاظ على الروابط الأسرية، لكنها لا تكفي لمعالجة حالة طلاق معقدة تتطلب فتوى مفصلة من هيئة شرعية مختصة. وفي السياق نفسه، درس ديني عن التسامح يُهيئ النفوس لقبول الآخر ويزرع بذور الاعتدال، لكنه لا يغني عن برامج إعادة تأهيل نزلاء تورطوا في الفكر المتطرف، حيث يتدخل علماء الشريعة مع خبراء علم النفس والاجتماع لتقديم معالجة متكاملة.
الخبرة الشرعية إذن هي التي تُقدّم الحلول العملية في قضايا المجتمع، وهي التي تُصدر الفتاوى الملزمة وتضع البرامج الإصلاحية. ففي القضايا الاقتصادية مثلاً، لا تكفي محاضرة عامة عن تحريم الربا لتحديد مشروعية منتج بنكي جديد، بل يحتاج الأمر إلى خبرة فقهية دقيقة في المعاملات المالية، وإلى دراسة معمقة. وفي القضايا الطبية، لا تكفي محاضرة عن قيمة حفظ النفس لتحديد حكم شرعي في مسألة التبرع بالأعضاء أو الإجهاض، بل يتطلب الأمر خبرة مشتركة بين الفقهاء والأطباء لتقديم رأي متوازن يجمع بين الاعتبارات الشرعية والعلمية. وفي القضايا الاجتماعية، لا تكفي خطبة عن الرحمة لتقليص ظاهرة العنف الأسري، بل يحتاج الأمر إلى تدخل خبراء شرعيين وقانونيين واجتماعيين لوضع برامج عملية للتوعية والحماية والعلاج.
الفرق الجوهري بين الخطابة والخبرة يشبه الفرق بين من يفتح الباب ومن يدخل الغرفة ليؤثثها. الخطابة تفتح الباب أمام الوعي وتُهيئ النفوس، أما الخبرة فهي التي تدخل لتنجز العمل وتقدّم الحلول. الخطابة تُثير الأسئلة وتزرع الحماس، أما الخبرة فتُجيب عنها بأدوات علمية وشرعية دقيقة. الخطابة تُشبه الضوء الذي يكشف الطريق، أما الخبرة فهي الخطوات العملية التي تسلك ذلك الطريق.
ولعل أبرز مثال على هذا التمايز يظهر في قضايا التطرف والإرهاب. فالخطابة الدينية التي تدعو إلى الوسطية والاعتدال تُسهم في بناء مناعة فكرية عامة داخل المجتمع، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة تأهيل شخص تورط في الفكر المتطرف. هنا يتدخل الخبراء الشرعيون لتفكيك الشبهات الفكرية، ويعمل الأخصائيون النفسيون على معالجة الانحرافات السلوكية، ويضع الخبراء الاجتماعيون برامج لإعادة الإدماج. الخطابة تُهيئ المناخ النفسي والاجتماعي، أما الخبرة فهي التي تُقدّم العلاج العملي.
وفي قضايا الأسرة، يمكن أن تُسهم الخطابة في تعزيز قيم المودة والرحمة، لكنها لا تُصدر أحكاماً في نزاعات النفقة أو الحضانة أو الطلاق. هذه القضايا تحتاج إلى خبرة فقهية وقانونية دقيقة. وفي القضايا الاقتصادية، يمكن للخطابة أن تُحفّز الناس على الالتزام بالأمانة والابتعاد عن الغش، لكنها لا تُحدّد مشروعية عقود التأمين أو المعاملات البنكية المعاصرة، لأن ذلك يحتاج إلى خبرة فقهية متخصصة. وفي القضايا الطبية، يمكن للخطابة أن تُذكّر الناس بأهمية الحفاظ على الصحة، لكنها لا تُصدر حكماً في مسألة الاستنساخ أو التلقيح الصناعي، لأن ذلك يحتاج إلى خبرة مشتركة بين الفقهاء والأطباء.
الخلاصة أن الخطابة الدينية والمحاضرة العامة لها دور لا يُستهان به في نشر الوعي وتشكيل الضمير الجمعي، لكنها ليست بديلاً عن الخبرة الشرعية المتخصصة التي تُعالج القضايا الدقيقة في المجتمع. الجمع بينهما هو ما يضمن التوازن: الخطابة تهيئ النفوس وتزرع القيم، والخبرة تُقدّم الحلول العملية والفتاوى الملزمة. إن إدراك هذا الفرق ضروري لتجنب الخلط بين المجالين، ولضمان أن يُؤدي كل منهما وظيفته الخاصة في خدمة المجتمع. الخطابة تُعطي الشرعية الاجتماعية والفكرية للأعمال الشرعية، والخبرة تُقدّم الشرعية العملية والقانونية. بهذا التكامل يتحقق الإصلاح الديني والاجتماعي، ويُبنى مجتمع متوازن يجمع بين الوعي العام والحلول العملية.
التعليقات