بداية الصيام أم بداية الوعي؟ قراءة في جدل رمضان الأوروبي

18 فبراير 2026

بقلم/ التجاني بولعوالي
يشهد اليوم الأخير قبل حلول شهر رمضان لعام 1447هـ الموافق لـ 2026م حالة لافتة من الانقسام، خاصة في عدد من البلدان الأوروبية، وداخل الأوساط المسلمة السُّنّية على وجه الخصوص، باستثناء الشريحة التركية التي دأبت منذ عقود على اعتماد الحساب الفلكي الثابت.

وقد تابعنا كمّا هائلا من التدوينات والتعليقات والمقاطع المرئية في مختلف وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، وكان أكثر ما يبعث على القلق هو اتساع رقعة الجهل الفقهي والمقاصدي والعلمي لدى عدد من المتدخلين الذين يخوضون في مسألة دقيقة لها أهلها من الفقهاء المتخصصين والمجالس الاجتهادية، وهي مؤسسات راكمت تجربة طويلة في فقه المسلمين في أوروبا والغرب، وأسهمت بإسهامات نوعية واجتهادات معتبرة في فقه الأقليات والهجرة.

من الطبيعي أن يختلف بعض المسلمين مع هذا الرأي انطلاقا من اعتبارات فقهية معتبرة، فذلك جزء أصيل من فقه الاجتهاد الإسلامي الذي وسع الاختلاف، وأقرّ بأن المجتهد مأجور على اجتهاده وإن أخطأ. غير أن المثير للاستغراب هو أن يتحول هذا الاختلاف، لدى بعضهم، من نقاش علمي مشروع إلى موقف مؤدلج، يُسقط عليه اصطفافات خارجية، إما بدافع ولاء عقدي أو روحي لجهة بعينها، أو انسجاما مع أجنداتها، أو سعيًا إلى استرضائها رمزيا أو ماديا، بما يُفرغ الخلاف الفقهي من طبيعته العلمية ويزجّ به في مسارات لا تخدم وحدة المسلمين ولا مقاصد الشريعة.

في الحقيقة، إن الإشكال يتفاقم حين يطغى الهوى المذهبي في بعده الإيديولوجي، إذ سرعان ما يُفضي إلى إفراغ النقاش من مضمونه العلمي، ويُحوّل الخلاف الفقهي المشروع إلى صراع هويّاتي حاد. وقد عايشنا، على امتداد عقود، كيف تسللت قراءات متشددة ومُفكِّكة إلى بعض أوساط المجتمع الإسلامي في أوروبا، وكيف جرى توظيف خطاب ديني تعبوي لتقويض أي مشروع وحدة أخوية بين المسلمين، واستهداف تدين الجيل الأول من المهاجرين الذين أسسوا الحضور الإسلامي في أوروبا، وبنوا المساجد والمراكز والمؤسسات التعليمية، ودافعوا عن قضايا المسلمين في مختلف السياقات والمحافل.

كما أسهم هذا المسار في تغذية خطاب يقوم على التبديع والتفسيق، بل والتكفير أحيانا، وهو خطاب لا يصدر إلا عن فهم قاصر للدين وأخلاقياته ومقاصده، وقد كانت له نتائج خطيرة، تمثلت في بروز جماعات منغلقة ترفض الحوار والتعايش والتسامح، وهي قيم أصيلة في الإسلام. بل إن هذا التطرف العقدي والفقهي كان أحد المناخات التي سهّلت تجنيد آلاف الشباب المسلم في تنظيمات متطرفة كـ”القاعدة” و”داعش”، في حين لا يزال بعض أنصاره يمارسون إقصاءهم في صيغ أكثر خفاء، من خلال تصنيف المخالفين لهم في مسائل شكلية أو فقهية فرعية في مراتب أدنى من الانتماء الديني.

وفي هذا السياق، تأتي هذه المقالة للمساهمة في ترشيد النقاش حول نازلة تحديد بداية شهر رمضان يوم الخميس 19 فبراير 2026، وهو اختيار فقهي أقرّته مجموعة من المجالس الإسلامية والهيئات الفقهية، إلى جانب عدد من الفقهاء وممثلي المسلمين، خاصة في بلجيكا وهولندا.

ولم يصدر هذا القرار اعتباطا، بل تأسس على معطيات علمية دقيقة تؤكد تعذّر رؤية الهلال فلكيا مساء الثلاثاء 17 فبراير 2026، فضلا عن تقديرات شرعية نابعة من اجتهاد جماعي مؤسسي جرى في إطار التشاور والتدارس بين المجالس الفقهية وجمعيات العلماء والأئمة، وأسفر عن فتوى جماعية تستند إلى الدليل الشرعي، والاعتبار العقلي، ومراعاة الواقع المعيش.

ولا تكمن أهمية هذا القرار في كونه إجراء تقويميا لتحديد بداية الصيام فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى دلالات أعمق تتصل بطبيعة الحضور الإسلامي في أوروبا، وبمسار تشكّل وعي ديني مؤسسي أكثر نضجا وتوازنا.

وفي هذا الإطار، يمكن الوقوف عند ثلاث دلالات مركزية تعكس تحولات نوعية في الفهم الديني والاجتهاد الجماعي لدى المسلمين في السياق الأوروبي.

أولا: القطيعة مع التبعية المذهبية والإيديولوجية
يمثل هذا الاختيار خطوة عملية نحو القطع مع أنماط من التبعية المذهبية أو الطائفية لجهات خارج السياق الأوروبي، كما يعبّر عن تحرر متدرج من الولاءات الإيديولوجية العمياء لأنظمة سياسية أو أحزاب دينية في بلدان الأصل.

لقد استمرت هذه التبعية، بأشكال مختلفة، لما يقارب سبعة عقود منذ بدايات الهجرة العمالية إلى أوروبا في ستينات القرن الماضي، وأسهمت في خلق إشكالات بنيوية في علاقة المسلمين بمجتمعات الإقامة، لا تزال آثارها السلبية قائمة إلى اليوم.

إن الاستمرار في استيراد قرارات دينية وفتاوى فقهية جاهزة من خارج السياق الأوروبي، دون اعتبار للخصوصيات الثقافية والجغرافية والقانونية، جعل جزءا من التدين الإسلامي في أوروبا يعيش حالة من الازدواجية والتوتر والغموض.

ومن ثم، فإن تبنّي اجتهاد جماعي مستقل، نابع من الواقع الأوروبي، يشكل خطوة ضرورية نحو ترسيخ مرجعية دينية أكثر انسجاما مع طبيعة هذا السياق وظروفه الاجتماعية والقانونية والمجالية التي تختلف جملة وتفصيلا عن سياق البلدان الإسلامية الأصلية.

ثانيا: الاعتبار الجغرافي في الاجتهاد الفقهي
تُثير الجغرافيا هنا سؤالا فقهيا مشروعا طالما تم تجاهله أو التعامل معه بانتقائية. فأوروبا الغربية تقع على مسافة بعيدة جدا عن بلدان المشرق العربي، واعتماد تقويم تلك البلدان في تحديد الصيام وعيدي الفطر والأضحى يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى صحة هذا الخيار ووجاهته الشرعية. فالجغرافيا ليست عنصرا ثانويا في الفقه الإسلامي، بل تُعد عاملا أساسيا في تحديد أوقات العبادات.

وإذا كان المسلمون في أوروبا يعتمدون تقاويم محلية خاصة بأوقات الصلوات بسبب اختلاف خطوط العرض والطول، فلماذا يُصرّ بعضهم على ربط الصيام والأعياد ببلدان تبعد آلاف الكيلومترات؟

إن إغفال السياق المكاني في الاجتهاد الفقهي يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى فتاوى مختلة أو ضعيفة الصلة بالواقع، مهما حسنت النوايا. فالفقه، في جوهره، تفاعل دائم بين النص والواقع، وأي فصل بينهما يُفرغه من مقاصده.

وإذا كان المجتمع الإسلامي خلال العقود الأولى من الهجرة العمالية يتسم بطابع بسيط وظرفي، فإن واقعه اليوم يعكس تحوّلًا نوعيًا على المستويات الاجتماعية والقانونية والسياسية والأكاديمية والمؤسسية والدينية.

فقد أضحى المسلمون في أوروبا يحققون قدرا متزايدا من الاكتفاء الذاتي في البنى التربوية والمعرفية والفقهية، بفضل بروز جيل جديد يجمع بين التكوين في العلوم الشرعية والعلوم المعاصرة، وإتقان اللغات الأوروبية.

وينتمي هذا الجيل إلى خلفيات متعددة؛ فمنهم من قدم من شمال إفريقيا والمشرق والعالم الإسلامي، ومنهم من تلقى تعليمه في بلدان عربية وإسلامية مثل مصر والمغرب والمملكة العربية السعودية وتركيا، فضلا عن خريجي المراكز والكليات الإسلامية الأوروبية.

وقد أسهم هؤلاء، عبر مسار تراكمي، في تأسيس مجالس فقهية متخصصة تُعنى بفقه المسلمين في أوروبا والغرب، وكان لوجودها دور حاسم في صيانة المرجعية الدينية وتنظيم الشأن الإسلامي، إذ لولاها لكان حضور الإسلام في هذه السياقات مهددا بالتشتت وفقدان البوصلة، ولربما اتخذ مسارات مغايرة لا تخدم استقراره ولا اندماجه المتوازن.

ثالثا: نحو توطين التدين الإسلامي في السياق الأوروبي
يشير هذا القرار، في عمقه، إلى أهمية انتقال المسلمين في أوروبا من مجرد “حضور إشكالي” إلى “حضور فعلي” متجذر في الواقع.

لقد قطع المسلمون أشواطا طويلة في بناء وجودهم الديني عبر تشييد المساجد، وتأسيس المراكز الإسلامية، وإنشاء المدارس، والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة. وأصبحت بلدان الإقامة وطنا حقيقيا، لا سيما بالنسبة للأجيال المسلمة الجديدة.

غير أن ما لا يزال عالقا إلى اليوم هو التبعية المذهبية بمعناها الإيديولوجي، لا الفقهي، لكل ما هو خارجي. وقد أوقعت هذه التبعية شريحة من المسلمين في قطيعة عميقة مع السياق الذي يعيشون فيه، وأسهمت في فشل جماعي في بلورة أنموذج تدين يحافظ على جوهر الإسلام، وفي الوقت نفسه ينفتح بوعي ومسؤولية على السياق الأوروبي المختلف ثقافيا، والمغاير جغرافيا، والقائم قانونيا على العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة.

إن هذا الانفتاح لا يشكل خطرا على الإسلام، كما يُروَّج أحيانا، بل على العكس، من شأنه أن يعزز موقع المسلمين، ويمنحهم القدرة على المساهمة الإيجابية في مجتمعاتهم، دون فقدان هويتهم الدينية. فالإسلام، تاريخيا، لم يكن يوما دينا منغلقا، بل كان دائما قادرا على التفاعل الخلّاق مع السياقات المختلفة.

في الخلاصة، إن اعتماد بداية الصيام في أوروبا على أساس اجتهاد جماعي مؤسسي لا يُختزل في كونه إجراء تقنيا أو حسابيا، بل يعكس درجة من النضج الديني والفكري، ويُجسّد خطوة واعية نحو بناء إسلام أوروبي واثق، متوازن، ومتجذّر في واقعه، دون قطيعة مع أصوله الشرعية ومقاصده الكلية.

ومن المهم أن يُدرك المسلمون في أوروبا هذه الحقيقة في أفقها الواقعي والعلمي، بعيدا عن لغة التشنّج والخطاب الإقصائي، وعن استسهال إطلاق أحكام التبديع أو التكفير. فمثل هذه الممارسات لا تصدر إلا عن فهم سطحي للعلم الشرعي، يكتفي بالقشور ويغفل المقاصد والمنهجيات، في الوقت الذي يتجرأ فيه بعضهم على التشكيك في علماء وفقهاء وباحثين أفنوا أعمارهم في التحصيل العلمي، والاجتهاد المسؤول، والدفاع عن حقوق المسلمين وخدمة قضاياهم في سياقات معقّدة ومتغيّرة.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

ملف “إبستين” يعيد طرح أسئلة أطفال “تندوف”

عمر العمري يفرض علينا تداخل ملفات الاستغلال الجنسي العابر للحدود مع فضاءات النزاع المغلقة طرح أسئلة ثقيلة لا يجوز تجاوزها، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال يعيشون خارج أي منظومة حماية فعالة.. إن العالم الذي صدم بحجم الشبكات التي كشفتها قضية “جيفري إبستين” مطالب اليوم بتوسيع زاوية النظر، وعدم الاكتفاء بتتبع الأسماء المتداولة، مع الانتباه إلى […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...