باولا وايت.. الشيطان الذي يوسوس في أذن ترامب

3 أبريل 2026

سعيد الزياني ـ دين بريس
يتصدر اسم باولا وايت ـ كاين صورة “المستشارة الدينية لترامب”، باعتبارها القسيسة الإنجيلية، والواعظة التلفزيونية، التي انتقلت من فضاء الوعظ الكاريزماتي إلى موقع متقدم داخل الحلقة الدينية الأقرب إلى الرئيس الأمريكي.

وقد أخذ هذا القرب طابعا رسميا داخل البيت الأبيض، بعد إعلان دونالد ترامب، في 7 فبراير 2025، تعيينها مستشارة أولى لمكتب الإيمان، وهو المكتب الذي استحدث بقرار رسمي ضمن البنية التنفيذية الجديدة لإدارته.

تنتمي باولا وايت ـ كاين إلى عالم إنجيلي يختلف عن الصورة التقليدية للقس المحافظ في الولايات المتحدة، فهي واحدة من أبرز الوجوه المرتبطة بما يعرف بـ“لاهوت الازدهار”، وهو تيار يربط بين الإيمان، والنجاح الشخصي، والرخاء المادي، ويقدم البركة الإلهية بوصفها قابلة لأن تتجلى في الثروة، والصحة، والنفوذ.

وهذا ما منحها جاذبية واسعة لدى شريحة معينة من المتدينين، وفي الوقت نفسه جعلها شخصية مثيرة للرفض لدى عدد من اللاهوتيين والإنجيليين التقليديين، الذين يرون في خطابها خلطا بين الدين، والتسويق، والسلطة.

ولدت باولا ميشيل فر، وهو اسمها الأصلي، في توبيلو بولاية ميسيسيبي سنة 1966، قبل أن تشق لنفسها مسارا صاعدا في عالم الكنائس الكبرى، والبرامج الدينية المتلفزة.

وشاركت في تأسيس كنيسة “ويذاوت وولز” في تامبا بولاية فلوريدا، رفقة زوجها السابق راندي وايت، ثم قادت لاحقا “نيو ديستني كريستيان سنتر” في أبوبكا، لتتحول تدريجيا إلى اسم بارز داخل اليمين الإنجيلي الشعبوي.

وقد أسهمت سيرتها الشخصية، وزيجاتها المتعددة، وعلاقتها اللاحقة بالموسيقي جوناثان كاين من فرقة Journey، في تعزيز حضورها الإعلامي، غير أن العامل الأهم في صعودها السياسي ظل قدرتها على بناء لغة دينية قريبة من عالم ترامب، لغة تقوم على النجاح، والانتصار، والقوة، وفكرة الاختيار الإلهي.

وتعود علاقتها بترامب إلى أوائل الألفية، حين شاهد أحد برامجها التلفزيونية، ثم بادر إلى التواصل معها، قبل أن تتحول تدريجيا إلى راعية دينية شبه دائمة في محيطه، ومنذ ذلك الحين لعبت دورا محوريا في ربطه بقطاعات من الإنجيليين، خاصة خلال حملة 2016، حين ترأست المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملته، وأسهمت في تحسين صورته داخل فضاء كان ينظر إليه، في البداية، بشيء من الشك.

وفي يناير 2017، أصبحت أول امرأة من رجال الدين تلقي دعاء التنصيب الرئاسي في حفل دخول ترامب إلى البيت الأبيض، في لحظة كرست انتقالها من مجرد “واعظة تلفزيونية” إلى أحد الوجوه الدينية الرسمية للترامبية.

وهي لا تنتمي إلى نموذج الإنجيليين المحافظين الكلاسيكيين، الذين يشتغلون بلغة أخلاقية تقليدية، وضمن مؤسسات كنسية مستقرة، وإنما تنتمي إلى فضاء كاريزماتي أكثر حركة، وأشد قدرة على التعبئة، وأقل تحرجا من الجمع بين السياسة، والنبوة، والسلطة، والرسالة، والرئيس، والاختيار الإلهي.

وأصبحت جزء من ماكينة الشرعنة الدينية لترامب، ففي حضورها يبدو الرئيس، لدى جمهوره الديني، رجلا محاطا بالبركة، محمولا على مهمة، ومدعوما من دوائر إيمانية ترى في خصومه خصوما لمشروع ديني وثقافي كامل.

وإذا كانت إدارة ترامب الأولى، ثم إدارته الثانية، قد اعتمدتا على طيف واسع من الشخصيات الإنجيلية، فإن باولا وايت ظلت الشخصية الأكثر التصاقا بفكرة “المرافقة الروحية” للرئيس، إذ شغلت في ولايته الأولى دورا استشاريا في المبادرات المرتبطة بالإيمان والفرص، ثم عادت في ولايته الثانية إلى موقع أكثر وضوحا وتأثيرا، من خلال مكتب الإيمان في البيت الأبيض.

ويضعها هذا المكتب في قلب ملفات تتعلق بالحرية الدينية، والعلاقة مع المنظمات الإيمانية، ومواجهة ما تصفه الإدارة بـ“التحيز المعادي للمسيحية”، وهو ما يجعلها، عمليا، فاعلة في واحد من أهم الجسور التي تربط الدولة الاتحادية باليمين الديني المحافظ.

وظلت، على مدى سنوات، هدفا لانتقادات حادة بسبب خطابها الديني والمالي، وخصوصا أسلوبها في جمع التبرعات، إذ ارتبط اسمها بنداءات متكررة تدعو إلى تقديم الأموال مقابل وعود ببركات “فوق طبيعية” أو “عطايا إلهية”، وهي اللغة التي جعلت خصومها يعدونها نموذجا متطرفا للاهوت الازدهار.

اضافة الى أن كنيستها السابقة كانت ضمن مجموعة من الوزارات الدينية التي خضعت لتحقيق في مجلس الشيوخ الأمريكي، بشأن استخدام أموال معفاة ضريبيا في نفقات مثيرة للجدل، ورغم أن التحقيق لم ينته إلى إدانة جنائية مباشرة، فإنه ترك أثرا دائما على صورتها العامة، ورسخ الانطباع بأنها تمثل نموذجا يجمع بين الدين، والإعلام، والمال، والنفوذ السياسي.

ولا يقتصر النقد الموجه إليها على الأوساط العلمانية أو الليبرالية، إذ إن كثيرا من الأصوات الإنجيلية المحافظة تصفها بأنها “معلمة زائفة”، أو واعظة توظف الدين في مشروع شخصي وسياسي، وهو ما يجعلها شخصية استثنائية في المشهد الترامبي.

وتبدو باولا وايت ـ كاين رمزا لطريقة خاصة في توظيف الدين داخل الترامبية، طريقة تعيد صياغة السياسة بلغة روحية حادة، وتجعل من الصراع السياسي مواجهة بين النور، والظلام، وبين مشروع إلهي، وأعدائه، وبين رئيس “ممسوح”، ومعسكرات تقاومه، وهي، في النهاية، صورة مكثفة لتحالف عميق بين الشعبوية السياسية، والمسيحية الكاريزماتية، وثقافة القوة، والازدهار، التي أحاطت بترامب منذ صعوده.

وتبدو، في رمزيتها السياسية والروحية، أقرب إلى وجه يبشر بدين أمريكي هجين، يعيد تركيب الإيمان على مقاس السلطة، ويفكك الحدود القديمة بين العقيدة، والمصلحة، والهوية، والمشروع الجيوسياسي.

وربما تكون واحدة من الوجوه الممهدة لـ“الدين الإبراهيمي الجديد”، بوصفه صيغة سياسية وروحية فضفاضة، تستوعب الدين داخل مشروع عالمي جديد، وتعيد تعريف المقدس بما يجعله أكثر قابلية للاندماج في أجندات القوة، والتحالف، وإعادة تشكيل المنطقة والعالم..

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...