انفصام النخب وعقدة “الاستلاب التعويضي”: حين يصبح الغدر صكاً للغفران
علي البلوي
انفصام النخب وعقدة “الاستلاب التعويضي”: حين يصبح الغدر صكاً للغفران
يكشف التشخيص السيكولوجي للمتطرفين، سواء في العباءات الأيديولوجية أو الدينية، عن جذور غائرة تمتد إلى صدمات الطفولة المبكرة؛
حيث تشير الدراسات إلى أن الكثيرين ممن تعرضوا للإساءة الجسدية، أو التعنيف المفرط، أو الانتهاكات الجنسية في صغرهم، تظل هذه العقد تحكم تصرفاتهم وعلاقاتهم في الكبر.
هؤلاء الأفراد، وبسبب هشاشتهم النفسية، يلجؤون لـ “التبضع” من سوق الأيديولوجيات المتطرفة، ليس بحثاً عن الحقيقة، بل بحثاً عن “درع” يحميهم من ذكرياتهم الأليمة، أو وسيلة للتخلص من ثقل سلسلة من العقد والخطايا السابقة عبر ارتماء انتحاري في حضن الاستلاب الهروبي.
هذا المسار النفسي المتعرج يُنتج “انفصاماً نكداً” يتجسد في انشطار نفسي حاد ومثير للذهول؛ فتجد الشخص الواحد “إخوانياً” في تنظيمه، “ولائياً” مع إيران في توجهه السياسي، وفي الوقت ذاته يدعي “الليبرالية” و”الوطنية”، بينما تمثل حياته الشخصية النقيض التام لكل ما يدعو إليه.
هذا الكوكتيل المتناقض ليس ترفاً فكرياً، بل هو تطبيق حرفي لما وصفه رونالد لينغ بـ “الذات المنقسمة” في أقصى حالاتها؛ حيث يمارس الشخص “جلد الذات” والآخرين عبر النقد السلبي اللاذع كطريقة للتكفير عن خطايا قديمة أو للهروب من واقع شخصي مشوه، محاولاً مضاعفة درجات التشدد ليثبت لنفسه أنه قد “تطهر” من دنس ماضيه عبر تبني مواقف حدية لا تقبل المساومة.
وفي خضم هذا الانشطار، تندثر “الوطنية الأخلاقية”، وهي المفهوم الذي يربط بين الانتماء للوطن وبين الالتزام القيمي تجاه المجتمع الذي يمنح الفرد الحماية والكرامة.
الوطنية الأخلاقية تفرض على الإنسان ألا يكون خنجراً في خاصرة من آمنه من خوف وأطعمه من جوع، لكن المستلب أيديولوجياً يرى في هذه الوطنية “قيداً” يذكره بضعفه وهزيمته الداخلية، فيعمد إلى شيطنة الدولة التي آوته وتبرير العدوان عليها، ليقنع نفسه بأنه أوفى لـ “المطلق الأيديولوجي” من وفائه لـ “الواقع المعاش”.
إنه يعوض عجزه عن الامتنان بمزيد من الجحود، محولاً فشله في التصالح مع ماضيه إلى “معركة مقدسة” ضد مستقبله ومستقبل من أحسنوا إليه.
من منظور إريك فروم، يمثل هذا السلوك ذروة “الاغتراب” و”التحلل الوجداني”؛ حيث يتحول نكران الجميل من سقوط أخلاقي إلى “فضيلة نضالية”. هؤلاء المستلبون، المسكونون بعقد الماضي، يعانون من حاجة قهرية لإثبات نقائهم الثوري عبر استرخاص دماء ومقدرات الشعوب التي أكرمتهم، لأن الاعتراف بالفضل يربطهم بواقع سوي يفتقرون إليه داخلياً ويخشون مواجهته.
إنهم يهربون من جحيم العقد الشخصية إلى جحيم الاستلاب الجماعي، مفضلين أن يكونوا أدوات تدمير تبرر الغدر بصكوك غفران أيديولوجية، بدلاً من أن يكونوا كائنات حية تملك شجاعة الوفاء والمصالحة مع الذات والآخر تحت لواء وطنية أخلاقية حقيقية.
*ملاحظة ثمة ملفات تقارب ملفات ابستين في هذا الجانب!!
التعليقات