انعكاس ” صورة الفيل”… أو القومة التي لم ترها العدل والإحسان

الدكتور مصطفى كرين
2020-12-16T16:27:33+01:00
آراء ومواقف
الدكتور مصطفى كرين16 ديسمبر 2020آخر تحديث : الأربعاء 16 ديسمبر 2020 - 4:27 مساءً
انعكاس ” صورة الفيل”… أو القومة التي لم ترها العدل والإحسان

الدكتور مصطفى كرين
نشرتُ قبل أيام ، مقالا بعنوان : ” صورة البقرة ” ، حول إحدى الطرائف المضحكة المبكية التي حدثت لي مع شخص انتقد بحدة إحدى تدويناتي المتعلقة باستغلال الدين لمآرب الدنيا ، من طرف بعض التنظيمات الإسلامية. واستدل صاحبنا حينها وحسب ما يعتقده ، بآيات من ” صورة البقرة ” كتبها بالصاد عوض أن يكتب سورة البقرة بالسين ، واليوم أجدني بحكم الأحداث الأخيرة المتعلقة باعتراض واحتجاج وتنديد جماعة العدل والإحسان علنا ، وجماعة التوحيد والإصلاح ضمنا ، على اعتراف الرئيس الجمهوري ترامب بسيادة المملكة على كامل تراب الصحراء المغربية، أجدني أمام ما يمكن تسميته ب انعكاس “صورة الفيل “.

وكما نعلم فإن ” الفيل ” هو رمز الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب بالفعل ولكن في مفهوم الانعكاس أيضا إحالة على ” سورة الفيل ” بالسين من حيث احتواؤها على وصف دقيق للهزيمة المخزية التي مني بها تجار الدين وأعداء المغرب وكيف صار كيدهم في تضليل وكيف أصبحوا كعصف مأكول.

مناسبة هذا الكلام هي الخرجة الإعلامية لجماعة العدل والإحسان التي أعطت لنفسها باسم المغاربة حق معاكسة مصالح المغرب والتهوين من الاختراق الدبلوماسي الكبير الذي حققه ، والركوب على القضية الفلسطينية لتصفية حساباتها السياسية مع الدولة ، هذه الجماعة التي تعيش على الخرافة ، كانت قد تنبأت منذ 2006 ، بحدوث ما أطلقت عليه إسم ” القومة” ، في إحالة على رؤيا رئيسها آنذاك الشيخ ياسين ، الذي رأى في منامه ” خيراً وسلام ” تفاصيل هذه ” القومة ” التي كان يفترض أن تؤدي في نظره ونظر جماعته إلى انهيار الدولة وسيطرتهم على السلطة.

ولم يشرح لنا أحد من الجماعة لحد اليوم وبعد عقد ونصف من الزمن ، لماذا لم يحدث شيء من ذلك ، ولن يستطيعوا أن يشرحوا لنا ، لأن المسألة كلها كانت استغلالا للدين وتلاعبا بعقيدة الناس لتحقيق مآرب سياسية ، أما القومة الحقيقية ، ” قومة ” اليقظة وليس المنام ، والتي لم ترها العدل والإحسان لا في أحلامها ولا في يقظتها ، هي هذه ” القومة” الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي ستضع حداً نهائيا لمنظومة الابتزاز التي تمثلها هي وربيبتها التوحيد والإصلاح، والذين كانتا دائما تلوحان بالمساس بالاستقرار والأمن في ظل انشغال الدولة بمعركة استكمال الوحدة الوطنية.

إن بيان العدل والإحسان العلني وبيان التوحيد والإصلاح الضمني ، ليسا في واقع الأمر سوى رسائل موجهة لبايدن وفريقه للقول بأنهم يضعون أنفسهم رهن إشارته وفريقه للضغط على المغرب، وتحريض جبان على أمن واستقرار الوطن ، لعلهم يجدون في الإدارة الأمريكية الجديدة سنداً لتحقيق الوصول إلى السلطة السياسية هذه المرة ، وكلنا يعرف أن التنازلات التي قد تكون الحركات الإسلاموية مستعدة لتقديمها ، سواء لإسرائيل أو أمريكا أو حتى للشيطان ، من أجل الوصول للحكم والبقاء فيه لاتخطر على بال أحد ، ولا حد لها ولا قياس ، ولنا في ما قام به البيجيدي وضهيرته التوحيد والإصلاح خير مثال منذ تسلمهم حكومة المغرب.

إلا أنها هذه الجماعات أدركت اليوم أن حلمها مثل حلم قصر المرادية قد تحولا إلى كوابيس ، وأن شروط وزمن تفكيك بنياتها العنيفة في حق الوطن والإنسان قد حانت ونضجت منذ تم تفكيك مخيم الكركرات وإن اختلفت المنطلقات والإيديولوجيات.

وكما انتهى منذ ثلاثين سنة زمن الحرب الباردة الإيديولوجية بانهيار سور برلين ، فقد انتهى زمن الحرب العقائدية بالانهيار الرمزي لمعبر الكركرات وتحصين الوطن عبر استكمال بناء سور الحزام الأمني في الأقاليم الجنوبية ، وأطل علينا زمن الكلاسنوست والبيريسترويكا ، وهي لمن لا يتذكرها وبالنسبة للجيل الجديد مفاهيم جاءت مع الزعيم السوفياتي الأخير ميخائيل غورباتشوف وتتعلق بنهاية زمن التعتيم وانطلاق زمن الضوء والشفافية وانتهاء زمن الاستبداد وبداية زمن إعادة البناء.

إننا أمام لحظة تاريخية تتعلق باندحار المرجعية الفكرية والسند الإيديولوجي للإرهاب المقدس الذي فقد بذلك ما كان يزايد به على الوطن وعلى النظام.

وغني عن القول أن المغاربة يدركون جيدا قصور هذه التنظيمات عن بلورة أي مشروع مجتمعي وأي مخطط اقتصادي وسياسي واجتماعي ، فهل كان سيخطر مثلا ببال البيجيدي أو غيره من الجماعات الدينية إن هي وصلت للحكم ، أن تقوم بناء ميناء كالميناء المتوسطي وقطار سريع كالبراق وبنيات طاقية كمازين وطرق سريعة وغيرها؟ كلنا يعلم أن أقصى ما كنا سنتعرض له هو الدخول في عملية تنويم حضاري وتنميط اجتماعي وإلغاء للمجتمع والدولة والغرق في تبعية فكرية وإيديولوجية للوهابيين والإخوان.

لكل هذا لم تكن هذه الجماعات قادرة على ” رؤيا ” و إدراك ” القومة ” الحقيقية التي يعيشها المغرب على جميع الأصعدة ، ولم يكن بمقدورها أن تتفادى الدمار الذي سببه لها انعكاس ” صورة الفيل “.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.