اليسار المغربي: من فضاء إنتاج الأفكار إلى منطق الحسابات الانتخابية الضيقة
شكير بوشعيب
“إن الأزمة الحقيقية للحركات السياسية لا تكمن في هزائمها، بل في اللحظة التي تتوقف فيها عن التفكير في التاريخ باعتباره مجالاً مفتوحاً للتحول.” جورج لوكاتش
نادراً ما تتراجع الحركات السياسية فقط لأنها تخسر الانتخابات؛ ففي كثير من الأحيان يبدأ التراجع عندما تفقد قدرتها على إنتاج الأفكار التي تمنحها معنى ودوراً داخل المجتمع. فالقوة الحقيقية لأي تيار سياسي لا تقاس فقط بحجمه الانتخابي، بل أيضاً بقدرته على صياغة رؤية فكرية تفسر تحولات المجتمع وتقترح مسارات للتغيير.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة التحول الذي عرفه اليسار المغربي خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل تدريجياً من فضاء لإنتاج الأفكار والنقاشات الفكرية إلى فاعل سياسي أصبح يتحرك في كثير من الأحيان داخل منطق الحسابات الانتخابية الضيقة.
لقد لعب اليسار المغربي في مرحلة تاريخية سابقة دوراً يتجاوز حدود العمل الحزبي التقليدي. فمنذ تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959، ثم تحوله لاحقاً إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تشكل اليسار كأحد أبرز التيارات السياسية والفكرية داخل المجتمع المغربي.
ولم يكن حضوره مقتصراً على الساحة السياسية فقط، بل امتد إلى مجالات اجتماعية وثقافية متعددة، حيث ارتبط بالحركة النقابية وبالجامعة المغربية التي شكلت آنذاك أحد أهم فضاءات النقاش الفكري والسياسي.
وفي تلك المرحلة كان اليسار المغربي فضاءً جاذباً لعدد من المفكرين والباحثين الذين ساهموا في إنتاج خطاب فكري نقدي حول قضايا الديمقراطية والتحديث. فقد ارتبطت تجربة اليسار بأسماء فكرية بارزة مثل محمد عابد الجابري ومحمد سبيلا ومحمد جسوس وعزيز بلال، الذين أسهموا في بلورة أسئلة الحداثة والديمقراطية داخل الفكر السياسي المغربي.
ولذلك لم يكن اليسار مجرد تنظيم سياسي يسعى إلى المنافسة على السلطة، بل كان أيضاً فضاءً لإنتاج الأفكار التي ساهمت في تشكيل جزء مهم من الوعي السياسي الحديث في المغرب.
غير أن هذا الدور الفكري بدأ يتراجع تدريجياً خلال العقود الأخيرة. فالنقاشات التي كانت تدور في السابق حول قضايا الفكر السياسي ومشاريع التحول الديمقراطي أصبحت أقل حضوراً، في مقابل تزايد الاهتمام بالقضايا المرتبطة بالتحالفات الانتخابية وإعادة التموضع داخل الخريطة الحزبية.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن جزءاً مهماً من النقاش داخل اليسار أصبح يدور أساساً حول إمكانيات التكتل الانتخابي وتوازنات المنافسة السياسية، أكثر مما يدور حول طبيعة المشروع الفكري الذي يحمله هذا التيار.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التحولات الأوسع التي عرفها اليسار في العالم خلال العقود الأخيرة. فمنذ نهاية الحرب الباردة وتراجع النموذج الاشتراكي التقليدي، دخلت الحركات اليسارية في كثير من البلدان مرحلة من إعادة التفكير في مرجعياتها الفكرية وأدواتها السياسية.
كما أن التحولات الاقتصادية المرتبطة بالعولمة وتغير بنية الإنتاج والعمل أدت إلى إعادة تشكيل القاعدة الاجتماعية التي كان اليسار يعتمد عليها تاريخياً.
وفي هذا السياق برزت مرحلة ما يعرف بـ اقتصاد ما بعد الفوردية (Post-Fordism)، حيث انتقل الاقتصاد العالمي تدريجياً من نموذج الإنتاج الصناعي الكبير الذي يعتمد على العمالة المستقرة داخل المصانع إلى نموذج اقتصادي أكثر مرونة يقوم على الخدمات والعمل المؤقت والاقتصاد الرقمي.
وقد أدى هذا التحول إلى إضعاف الدور التقليدي للنقابات العمالية التي كانت تشكل إحدى الركائز الأساسية للحركات اليسارية في العديد من البلدان.
ففي ظل الاقتصاد الصناعي الكلاسيكي كانت الطبقة العاملة المنظمة تشكل القاعدة الاجتماعية الرئيسية لليسار. أما في اقتصاد ما بعد الفوردية، فقد أصبحت علاقات العمل أكثر تجزؤاً وهشاشة، وهو ما أدى إلى تراجع القدرة التنظيمية للنقابات وإضعاف الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع بين الأحزاب اليسارية والطبقات العاملة.
وقد انعكست هذه التحولات في كثير من الدول على شكل تراجع للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية وصعود أشكال جديدة من الشعبوية السياسية التي تعبر عن حالة من فقدان الثقة في الأحزاب التقليدية.
وفي المغرب أيضاً لم يكن اليسار بمنأى عن هذه التحولات، وإن كانت السياقات السياسية والمؤسساتية مختلفة. فقد تراجعت قدرته على لعب دور الوسيط بين المجتمع والدولة، كما ضعفت الروابط التي كانت تربطه بالحركة النقابية وبالفضاءات الفكرية والثقافية التي شكلت في السابق أحد مصادر حيويته السياسية.
ومع مرور الوقت أصبح جزء من النقاش داخل اليسار يدور حول كيفية تحسين موقعه داخل التوازنات الانتخابية أكثر مما يدور حول تطوير مشروع فكري قادر على قراءة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي.
ومن هنا يمكن القول إن أزمة اليسار المغربي اليوم لا تتعلق فقط بتراجع نتائجه الانتخابية، بل ترتبط أيضاً بتحول أعمق يمس طبيعة دوره داخل الحقل السياسي. فالسؤال المطروح لم يعد فقط كيف يمكن لهذا التيار أن يعزز حضوره داخل المؤسسات المنتخبة، بل أيضاً كيف يمكنه أن يستعيد دوره كفضاء لإنتاج الأفكار والنقاش العمومي حول قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
إن تاريخ اليسار في المغرب يبين أنه كان في لحظات كثيرة أكثر من مجرد فاعل انتخابي؛ فقد كان فضاءً فكرياً ساهم في طرح أسئلة الإصلاح السياسي والتحديث الثقافي.
ولذلك فإن التحدي الذي يواجهه اليوم لا يكمن فقط في بناء تحالفات انتخابية أو تحسين نتائجه في صناديق الاقتراع، بل في قدرته على تجديد مشروعه الفكري وإعادة بناء علاقته بالمجتمع في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها العالم المعاصر.
فمن دون هذا البعد الفكري، قد يتحول اليسار تدريجياً من تيار سياسي يحمل رؤية للتغيير إلى فاعل حزبي يتحرك أساساً داخل منطق الحسابات الانتخابية الضيقة. أما إذا تمكن من استعادة دوره كفضاء لإنتاج الأفكار والنقاش النقدي، فقد يكون قادراً مرة أخرى على لعب دور مهم في الحياة السياسية والفكرية في المغرب.
التعليقات