الولاء الفطري لمغاربة العالم: دعاء في المساجد، التحام في الأزمات، ورسالة ولاء ثابتة

دينبريس
آراء ومواقف
دينبريسمنذ 5 ساعاتآخر تحديث : الجمعة 28 فبراير 2025 - 12:44 مساءً
الولاء الفطري لمغاربة العالم: دعاء في المساجد، التحام في الأزمات، ورسالة ولاء ثابتة

محمد عسيلة
لم يكن ارتباط مغاربة العالم بأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مجرد علاقة سياسية أو تقليدية، بل هو ولاء راسخ في الوجدان، متجذر في الهوية، نابض في القلوب والألسن، يتجدد في كل منعطف تمر به الأمة، ليؤكد أن البيعة ليست فقط عقدًا شرعيًا، بل هي أيضًا انتماء روحي وسلوك حضاري متوارث عبر الأجيال.

الدروس الحسنية: أفق روحي جامع لمغاربة الداخل والخارج
لطالما مثلت الدروس الحسنية في شهر رمضان محطة إشعاع علمي وروحي، حيث يجتمع العلماء والمفكرون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وتحتفي الأمة بعلم الشريعة وأصول الفكر المستنير في حضرة أمير المؤمنين، حامي الملة والدين. فهذه الدروس لم تكن مجرد مجالس علمية، بل كانت تجديدًا للعهد بين الأمة ومرجعيتها الدينية، وترسيخًا للدور الريادي لإمارة المؤمنين في نشر قيم الوسطية والاعتدال.

ومع تعليق هذه الدروس لظروف قاهرة، لم يكن هذا انقطاعًا للصلة الروحية بين المغاربة ودينهم ومرجعيتهم، بل تحول إلى تجربة إيمانية أعمق، أظهرت الوعي الفطري للمغاربة بقدسية علاقتهم بإمارة المؤمنين. فمن منظور شرعي، فإن الدعاء لولي الأمر من الطاعات العظيمة، وهو جزء من السنة النبوية، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم.” صحيح مسلم. وهذا ما انعكس بوضوح في المساجد المغربية بألمانيا وفي كل دول المهجر، حيث لم يتوقف المغاربة عن التضرع إلى الله، مستشعرين معنى البيعة الروحية، التي تتجاوز المظاهر الشكلية إلى جوهرها العميق، جوهر المحبة، الوفاء، والطاعة الشرعية.

أما من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن هذا التفاعل يعكس آلية نفسية جماعية متجذرة في الوجدان المغربي، حيث يتحول الحنين إلى الوطن إلى رابط وجداني قوي مع رموزه الدينية والسياسية. في أوقات الأزمات، تلجأ الشعوب إلى مصادر الطمأنينة، وفي الحالة المغربية، فإن إمارة المؤمنين ليست فقط مرجعية سياسية، بل ملاذ روحي واستقرار نفسي يمد الأمة بالأمان والاستمرارية. وقد أثبت المغاربة عبر التاريخ، خاصة في الأزمات الكبرى، أن ولاءهم لا يرتبط بالمصلحة الآنية، بل هو إيمان راسخ مستمد من قيم البيعة، التي شكلت عبر القرون عامل وحدة وتماسك وطني.

ومن الجانب الثقافي والحضاري، فإن استمرار هذا الارتباط يعكس تفرد النموذج المغربي في الجمع بين الدين والهوية الوطنية. فالمغاربة في مختلف بقاع الأرض يحملون روح الوطن في قلوبهم، وتتحول أزماتهم إلى فرص روحية لإظهار معدنهم الأصيل. ففي جائحة كورونا، وفي الكوارث الطبيعية، وأيضًا في هذا الظرف الدقيق، لم يكن التعبير عن الولاء مجرد موقف سياسي، بل استجابة وجدانية وثقافية تعكس عمق الانتماء، حيث رفع المغاربة أكفهم بالدعاء لصاحب الجلالة في المحاريب، وفي البيوت، وعلى ألسنة أطفالهم، وكأنها رسالة متجددة للعالم، تؤكد أن هذا الشعب، رغم البعد الجغرافي، لا يزال نابضًا بالحب والوفاء لقائده وأمته.

إنها البيعة الحقيقية، التي لا تفرضها القوانين، بل يسكنها القلب، وتغذيها الفطرة، وتحفظها الأجيال جيلاً بعد جيل.

الوعي الفطري لمغاربة العالم: ولاء في السرّاء والضرّاء
ما يميز المغاربة، داخل الوطن وخارجه، هو هذا الارتباط العضوي بالعرش العلوي الشريف، الذي لا يحتاج إلى توجيه أو تحفيز، بل هو جزء من الهوية، ينشأ عليه الصغير قبل الكبير، ويُبنى في الوجدان قبل أن يُترجم في المواقف. في كل مسجد مغربي بأوروبا، كان الدعاء موحدًا، والقلوب مخلصة، تضرعت الأصوات بلسان واحد: اللهم اشفِ أمير المؤمنين، واحفظه بما حفظت به الذكر الحكيم، وهي شهادة لا تحتاج إلى دليل، فهي تعكس وعيًا شعبيًا أصيلًا بقدسية هذه البيعة وعمقها.

لقد علمنا التاريخ أن الأزمات هي الامتحان الحقيقي لصدق الارتباط والولاء، وهو ما برهن عليه المغاربة في أوقات المحن الكبرى، من جائحة كورونا إلى الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية، وصولًا إلى هذا الظرف الدقيق الذي يعيشه الوطن. في كل مرة، يتحول الألم إلى منحة ربانية تجمع القلوب، وتذكر المغاربة بأهمية اللحمة الوطنية، ويصبح التضرع والدعاء في المحاريب والمجالس درسًا عمليًا للأجيال، يرسخ مفهوم البيعة في قوالبها الدينية والإنسانية العميقة.

ومع حلول شهر رمضان المبارك، يعود المغاربة إلى طبيعتهم الروحية العميقة، فيكون الدعاء لأمير المؤمنين جزءًا من صلاتهم، يلقنونه للأطفال، ويرددونه في بيوت الله، لأنهم يدركون بفطرتهم أن العافية والنصر لأمير البلاد هي عافية لهم جميعًا، وأن أمن الوطن هو أمنهم، وسلامة القائد هي سلامة للمسيرة كلها.

إن مغاربة العالم، وهم يعيشون في أوطانهم الجديدة، لم تنسهم الغربة معنى الانتماء، بل زادهم بعدها وعيًا بخصوصيتهم الحضارية، واستشعارًا لدورهم في تعزيز صورة المغرب في الخارج، لا فقط كمواطنين مهاجرين، بل كرسل حضارة وهوية، يثبتون للعالم، في كل مناسبة، أن علاقتهم بالعرش العلوي الشريف ليست علاقة سياسية ظرفية، بل هي امتداد لمسيرة تاريخية، صاغتها العهود، وحمتها القلوب، وباركتها الدعوات في أوقات الشدة والرخاء.

اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، أن تحفظ مولانا أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتمنّ عليه بموفور الصحة والعافية، وتلبسه رداء الشفاء العاجل، وتجعل ما أصابه رفعة في مقامه، وزيادة في أجره، وعافية دائمة في بدنه وروحه.

اللهم احفظه بما حفظت به الذكر الحكيم، وأيده بنورك المبين، واجعله سندًا وذخرًا لهذا الوطن، وقائدًا للنهضة والرقي. اللهم أطل في عمره، وأقر عينه بولي عهده الأمير مولاي الحسن، واشدد أزره بشقيقه مولاي رشيد، واحفظه في سائر أفراد الأسرة العلوية الشريفة.

اللهم كما ألفت قلوب المغاربة على محبته، وأجمعت أفئدتهم على الولاء له، فاحفظه لهم، واحفظ بهم هذا البلد الأمين، وبارك في شعبه، وأدم علينا نعمة الأمن والاستقرار، تحت راية إمارة المؤمنين.
آمين يا رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــ
* استاذ باحث في قضايا الدين والثقافة والهجرة
استاذ محاضر بالمدرسة العليا للعلوم الاجتماعية التطبيقية بكولونيا
مستشار في قضايا الاندماج والتربية والتعليم لدى هيئات تعليمية ومدرسية ولائية بألمانيا

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.