الوجه الغائب في فكر الطريقة العيساوية: دور المرأة في التأسيس والتجديد

3 أبريل 2026

د. أسامة بن هامل

رئيس مركز الشيخ أحمد القطعاني للثقافة والدراسات الإسلامية

في سلسلة هذه المقالات التي كتبناها لاستكشاف الفكر العيساوي عبر حياة الشيخ الكامل محمد بن عيسى، وقفنا على العديد من الأبعاد التي أجلت جوانب كانت معتمة في فكره، في الاقتصاد والسياسية والوعي البيئي والفن والموسيقى، وغيرها، بما كشف عن شخصية مؤسسة لمدرسة متكاملة. وفي هذه الحلقة سنتحدث عن جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالوجه الآخر غير المرئي في شبكة مريدي وتلاميذ وحياة الشيخ الكامل، وهو جانب المرأة من خلال العديد من الأمثلة، لنكتشف أن المرأة شكلت عاملاً أساسياً في تأسيس وتطور الطريقة العيساوية منذ نشأتها في القرن العاشر الهجري.

وأول ما نرصده في ثنايا سيرة الشيخ الكامل ملامح لرسم صورة المرأة العيساوية، لا سيما في مستويي الأم والزوجة، وفي المستوى الأول نجد أن أمه السيدة مريم المختارية، شكلت حلقة وصل مهمة بينه وبين رجال قبيلتها، فمن اللافت أن أغلب الطبقة الأساسية من تلاميذ الشيخ الكامل كانوا من بنو مختار، بل هم الركيزة الأساسية لنشر الطريقة العيساوية واستمرارها. وعلى سبيل المقال، برز الشيخ محمد بن عمر بن داود المختاري أخص مريدي الشيخ الكامل في مجال الدعوة في الأوساط العملية لا سيما في جامع القرويين الذي صار أهم أساتذته بعد وفاة الشيخ الكامل، وهي خاصية استمرت في السند المتصل بالشيخ الكامل عبره، فأهم حملة هذا السند هو الشيخ محمد المسطاري (ت 1107هـ/ 1695م) الذي يعد أكبر حلقة في سلسلة امتداد المدرسة العيساوية الى تونس وليبيا ومصر والشام، والشيخ موسى بن علي المختاري المعروف بــ”أستاذ الاساتيذ” بما يدل على مكانته العلمية، والشيخين يوسف الدريدي المختاري وموسى بن يعقوب المختاري الذي حملا لقب “حارس البستان” لدورهما الفاعل في حراسة البساتين الزراعية بما لهما من حس امني واقتصادي دعم لدخل الزاوية، والشيخ محمد الشباني المختاري الذي يعد من أوائل العيساويين اهتماما بالموسيقى ((للتوسع حول هذه الشخصيات ينظر دراسة الشيخ القطعاني عنهم، في مرجعه الهام: أعلام الطريقة العيساوية)، وغيرهم ممن أدوا أدوارا مهمة في تأسيس الزوايا وإدارتها وتنظيم الأوقاف، فكلهم زادت رابطتهم بالشيخ الكامل من ناجية خؤولتهم له.

أما على مستوى الزوجة، فبرزت زوجته السيدة الطاهرة، لتؤدي دورًا بالغ الأهمية في دعم مشروع زوجها الدعوي، ليس فقط على صعيد الحياة اليومية أو رعاية البيت، بل أيضًا في التنظيم العملي للزاوية، ومما ترويه المصادر العيساوية أنها واجهت مواقف صعبة في سبيل دعم زاوية زوجها، ومنها مهمتها في استقبال الوفود ورفادتهم واضافتهم، وفي احادها كانت السيدة الطاهرة تعاني تعبا شديدا منعها من استقبال الوافدين وضيافتهم، عند اتفق أن أحد تجار فاس جاء إلى الشيخ الكامل ومعه أربعة وعشرون رقيقا من النساء والرجال، أرسلهم أحد أمراء بلاد السودان هدية له، فاستعان بهم على ضيافة الوافدين (الشيخ الكامل محمد بن عيسى، أحمد القطعاني، ص 27)، وهي واقعة مهمة تكشف عن المسؤوليات الجسيمة التي كانت تضطلع بها السيدة الطاهرة في مشروع زوجها، وهي مسؤوليات تضاهي عمل “مديرة مؤسسة” في العصر الحديث، إذ كانت تشرف بلا شك على فريق لخدمة ضيوف الزاوية الذين يتوافدون بالمئات، ومما يؤكد ذلك أنها الشيخ الكامل بأربعة وعشرين رجلا وامرأةً عن غيابها ليقوموا بدورها، مما يؤكد أنها لم تكن تقوم بضيافة الأعداد الكبيرة من الضيوف وحدها.

وحول ما كتبه الشيخ القطعاني عن السيدة الطاهرة، يبرز جانب هام في حياتها ويتعلق بدورها كأم في تنشئة ابنها السيد عيسى المهدي (ت 983هـ/1575م)، وتبدو أهمية تنشئته في كونه الشخصية الرئيسية التي استمرت على يديها المدرسة العيساوية، إذ هو من خلف والده في قيادة هذه المدرسة، مما استلزم مؤهلات خاصة عملت أسرته على تنميتها وتدريبه عليها. وتتعاظم مسؤولية تنشئته إذا علمنا أنه الابن الوحيد لأسرته، مما استوجب تركيز العناية به بشكل مكثف لإكسابه القدرات القيادية، بالإضافة إلى ضرورة إكسابه علوم الطريقة وفكرها وقواعدها نظريا وعمليا، خاصة إذا فهمنا من قول الشيخ القطعاني أن السيد عيسى تصدر أستاذا للمدرسة العيساوية “بالإذن الصريح من والده رضي الله عنهما” (تنظر ترجمة السيد عيسى في أعلام الطريقة العيساوية، ص …) أن الشيخ الكامل كان يعده منذ البداية لخلافته، ولا ريب في أن للسيدة الطاهرة دورا كبيرا في إعداده لهذا المقام.

ولأهمية المرأة كزوجة ودورها المحوري في بناء الأسرة في الفكر العيساوي، يؤصل الشيخ القطعاني ذلك من كلام الشيخ الكامل نفسه، إذ ينقل عنه قوله: “المرأة مفتاح خير الرجل وشره، فإذا أحسنت كانت مفتاح خير وبركة في الحياة، وإذا أساءت كانت مفتاح شر وغبن” (أعلام الطريقة العيساوية، ص 63.) وهو كلام يوضح عناية المدرسة العيساوية بالبعد الأخلاقي والفكري للمرأة كمفصل رئيسي في تشكل الأسرة، ومن ثم تأثير ذلك في بناء المجتمع.

وتبرز العناية بالمرأة العيساوية في العديد من ثنايا سيرة الشيخ الكامل، فمما ذكره الشيخ القطعاني أن دورها بلغ حد تأسيس الزوايا، فذكر أن “في حياة الشيخ الكامل كانت توجد ثماني زوايا للنساء في مكناس وحدها، لهن عريفات من النساء يأتين للشيخ الكامل في زاويته بمكناس، ويسمعن منه، ويوجههن وينصحهن ويربيهن، أشهرهن لالا خميسة، هذا فضلًا عن المدن الأخرى” (أعلام الطريقة العيساوية، ص 270).

وعلى مدى خمسة قرون برزت المرأة في خضم الدعوة والتأثير للمدرسة العيساوية، لكننا سنقتصر هنا على الجهود التي بذلها شيخنا القطعاني في تعزيز دورها، فقد أولاها عناية خاصة حتى إنه خصص لها مبحثا في كتابه الأهم عن تاريخ الطريقة “أعلام الطريقة العيساوية”، وعنونه بـ “المرأة العيساوية”، ضمن فيه شواهد تؤكد دورها في نشأة المدرسة العيساوية وتطورها، بل واستمرارها إذ وثق نماذج عاصرها، منها زاوية عيساوية نسائية بمدينة تاورغاء الليبية تدار بشيخة امرأة وكذلك النقباء والشواش، كما خص بالذكر سيدات مشهورات، مثل المتعبدة السيدة خويره الكروشية بليبيا، والسيدة لاله خدوج زوج ولي الله سيدي علي بن المهيدي أحد شيوخ الطريقة في المغرب، والسيدة لاله فاطمة نسومر أبرز وجوه المقاومة ضد الاستعمار في الجزائر، والتي آثرت الإقامة في زاوية تابلاط العيساوية، وغيرهن من الشخصيات المؤثرة.

وفي مشروعه التجديدي للمدرسة العيساوية، اعتنى شيخنا القطعاني بشكل كبير بالمرأة، حين وثق لنساء مؤثرات في حياته، أولهن والدته الأستاذة صالحة المقصبي، التي كانت تمثل الرافد الثاني في دعم أعماله إلى جانب والده السيد سالم كريم قبل تأسيسه للزاوية الأم العيساوية بمدينة درنة، وثانيهن زوجته المباركة السيدة “أم الفقراء” التي ترجم لها في ملمح واضح لمركزها ولدورها في مجال نشر الدعوة ورفد الزاوية، وتوثيق مؤلفاتها المطبوعة والمخطوطة، وغيرها من أدوارها. كما حرص شيخنا على أن يكون للمرأة مجلسها في كل زواياه العيساوية التي أسسها في مختلف المناطق والمدن الليبية، ونشطت العديد منهن في مختلف المعارف والفنون والعلوم، لا سيما في قضايا المرأة وشؤون الأسرة وتربية الطفل، وغيرها. وأرسى للمرأة بابا ثابت في مجلة “الأسوة الحسنة” منذ تأسيسها عام 1998م، لتكتب فيه المرأة كل ما يتعلق بقضاياها في الاجتماع والأسرة والاقتصاد والفنون، فحفلت صفحات هذا الباب الثابت بمناقشة العديد من المسائل والموضوعات النسائية، كمسؤولية المرأة الصوفية في العمل وواجبات الأسرة وتعزيز القيم الصوفية في مواجهة العنف الأسري، ومكافحة خطابات التطرف والتعصب بترسيخ قيم الحب والوئام والتسامح. بل استوعب هذا الباب أنشطة وأفكار المرأة في طرق صوفية أخرى.

ومن تأثير هذه العناية بالمرأة العيساوية أن تلاميذ شيخنا القطعاني المباشرين خارج ليبيا جعلوا المرأة من أساسيات أعمالهم الدعوية العيساوية، فأسس تلميذه الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد بن يحيى النينوي عديد الزوايا الخاصة بالنساء في الدول التي ينشط فيها، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وجنوب أفريقيا وغيرها. وفي تونس أسس تلميذه شيخ الطريقة العيساوية بالديار التونسية الشيخ المختار بن المختار دبية زاوية خاصة بالنساء في زاوية صفاقس العيساوية، وأجاز فيها السيدة سهيلة بنت محمد سعيد العيساوي، في 10 / 10 / 2020م ذات الأثر الدعوي والاصلاحي الكبير. وفي مصر يحرص الشيخ محمد رجب تمام على إقامة جمع أسبوعي للمرأة العيساوية في زاويته، زاوية الصف العيساوية في ضواحي القاهرة.

ملاحظة/ هذا المقال مستخلص من ورقة بحثية قدمتها زوجي، السيدة الجليلة أ. وداد بن فائد، في الدورة السادسة للمؤتمر العلمي السنوي للشيخ أحمد القطعاني، الذي انعقد في نوفمبر 2024م تحت عنوان: “المدرسة العيساوية: الأصول، الامتداد، التأثير”. وقد عنونت الورقة بـ: “المرأة في التاريخ العيساوي: من التأسيس إلى المشروع التجديدي للشيخ القطعاني”.

التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد.

لم يعد للأقصى رب يحميه..

أثار منع شرطة الاحتلال الإسرائيلي، الأحد الماضي، بطريرك الكنيسة اللاتينية في القدس من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لترؤس قداس أحد الشعانين، موجة واسعة من الغضب في الأوساط السياسية والدينية، وفتح الباب أمام تفاعل كبير على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تلبث الواقعة أن خرجت من نطاقها الميداني الضيق لتتحول إلى قضية ذات بعد دبلوماسي، […]

استطلاع رأي

هل أعجبك التصميم الجديد للموقع ؟

عرض النتائج

جاري التحميل ... جاري التحميل ...