إيمان شفيق
في زحمة شاشات تومض بلا توقف، يتحرك الشاب المغربي بين تطبيقات تتكاثر كالفطر، وخوارزميات تحسن الإقناع أكثر مما يحسن اللسان البيان، خاصة أنه في عالم الإنترنت، يصنع الرأي في ثوان، مما يطرح سؤالا فقهيا ومجتمعيا ملحا مرتبطا بهذه النوازل الرقمية: كيف يلتقي الإفتاء بمقتضيات العصر، دون أن تضيع البوصلة بينهما؟
لقد عرف الفقهاء النوازل بأنها الوقائع المستجدة التي لا نص صريحا فيها، فيجتهد لها قياسا واستصلاحا، وذلك من أجل درء المفسدة وجلب المصلحة. واليوم، تندرج تحتها قضايا الذكاء الاصطناعي التوليدي، صون المعطيات الشخصية، التجارة عبر المنصات، العملات المشفرة، ودوامة الشائعات الرقمية، والإشكال هنا أن الأمر يهم وقائع لا تنحصر في الحكم الشرعي فحسب، بل تتصل بسلامة المجتمع وثقة الناس والحق في المعرفة.
من جهة أخرى، معلوم أن المقاصد الكلية للشريعة تقدم إطارها الرشيد كالتالي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وفي العالم الرقمي، يظهر حفظ العقل في مكافحة التضليل، وحفظ المال في صيانة المعاملات من الغرر والاحتيال، وحفظ النفس في حماية الأطفال من الأذى الرقمي، وحفظ الدين في صون رموزه من الامتهان وصناعة الكراهية. بذلك يغدو الفضاء الافتراضي ميدان عمل للمقاصد لا هامشا لها.
إن القاعدة المالكية الشهيرة بسد الذرائع تمنع الوسائل التي تفضي إلى الحرام ولو كانت مباحة في أصلها، لكن فقه المصلحة المرسلة يفتح من الجهة الأخرى أبوابا يحتاج إليها لرفع الحرج وتحقيق النفع العام. وعلى هذا الخيط الدقيق تنسج فتاوى اليوم، حيث لا تحريم يغلق أفق الابتكار، ولا إباحة تطلق الفوضى العارمة.
من أهم المفاهيم التي يجب أن يشتغل عليها أهل الفقه في المؤسسات الدينية المغربية، من فقهاء ووعاظ وخطباء جمعة، نذكر ما يلي: المحتوى التوليدي، والأصل فيه الإباحة إذا التزم الأمانة العلمية واحترم الحقوق الفكرية، وتجنب الاصطناع المضلل للصور والأصوات؛ المعاملات الإلكترونية، وتجوز بشروطها، أي الشفافية، انتفاء الغرر الفاحش، وضوح العوض وحسن الوفاء، لكن مع أدوات توثيق رقمية معتبرة؛ العملات المشفرة، ومناط النظر فيها تحقق التنمية والاستقرار النسبي ودرء المقامرة، لكن إن ترجحت المفسدة بالغرر وغسيل الأموال، قدم المنع أو التقييد؛ وأخيرا، حماية المعطيات: صون الخصوصية واجب شرعا وقانونا، إذ يندرج تحت حفظ الكرامة وحرمة البيوت الرقمية.
تأسيسا على ما سبق، يمكن اقتراح هذه الخطوات العملية من أجل مساعدة المعنيين بالتصدي لإكراهات هذه التطورات الرقمية في شبكة الإنترنت:
يجب أولا الرهان على التثقيف الديني الرقمي، من خلال وضع مقررات مختصرة للشباب في “فقه الشبكات” وآداب التفاعل.
يمكن أيضا إطلاق مراصد التحقق، هدفها دعم مبادرات تدقق في الأخبار وتظهر مصادرها، بوصف ذلك “أمرا بالمعروف المعرفي” حسب الاصطلاح الفقهي.
يمكن كذلك تأسيس شراكات علمية بين المجالس الشرعية والجامعات ومختبرات الذكاء الاصطناعي لتبادل الخبرة وصياغة أدلة إجرائية.
وأخيرا، الاتفاق على ميثاق محتوى، أساسه مدونة سلوك للمنصات المحلية تراعي الحرية والمسؤولية وتجرم التلاعب والابتزاز.